تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
عبدي » الحديث ؛ لمسيس الحاجة إليه هاهنا . ثم نقول : اعلم ، أنّ اللّه سبحانه قد نبّه الألبّاء على بعض أسرار ما نحن بصدد بيانه تنبيها خفيّا بقوله :
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
« 1 » وكلّ عابد لشيء فإنّه متوجّه إلى معبوده لا محالة ، وتوجّهه إليه مسبوق بما بعثه على ذلك التوجّه ، وباعثه على التوجّه يتعيّن بحسب ما استقرّ عنده من المتوجّه إليه ، والمستقرّ عنده صورة علميّة منتشية من دلائل ومقدّمات تفيد الجزم اليقيني في زعمه ، أو صورة ذهنيّة متحصّلة من أقاويل مسموعة ، أو آيات وآثار مشهودة دالّة على أمور يزعم أنّها كمالات ، وأنّها حاصلة لمن تضاف « 2 » إليه تلك الآثار ، وتستند إليه تلك الكمالات ، فحالما تصوّر تلك الصفات قائمة بموصوف مّا منفرد بها دون غيره حكم بأنّه مستحقّ للعبادة ، فرغب في اللجأ إليه والتعبّد له ؛ خوفا وطمعا ، أو « 3 » استحسانا . هذا ، مع أنّه قد يكون ما حكم به لمن نسبت إليه تلك الصفات ودلّت عليه الآثار والآيات المسموعة والمدركة صحيحا ثابتا لذلك الموصوف ، وقد لا يكون كذلك إلّا في زعم المعتقد لا في نفس الأمر ، أو تكون تلك الصفات والآثار ونحوهما ثابتة لغير من أضيفت إليه ، وتلك الأقاويل دالّة على تشخّصات متعيّنة في أذهان القائلين بحسب آرائهم وحدسهم وتصوّراتهم ، فهي - أعني تلك الصور الذهنيّة الاعتقاديّة - من حيث أوّل حادس ومستحضر ما أنشأ تصوّره منفعلة عنه ، ومن حيث السامع الأوّل القائل المستعبد نفسه من حيث هي بحسب ما ثبت في نفسه وتصوّره منها لقول القائلين منفعلة مرّة أخرى ، وهلمّ جرّا . فالشخص إذا مستعبد نفسه لما انتشى في ذهنه ، وكان ناشئا أيضا عن صورة أخرى منفعلة عن متصوّر آخر بتصوّر هو بالأصالة منفعل ، هكذا ذاهبا إلى أوّل فاعل منفعل وكون الأمر كما تصوّر فإنّه يمكن أن يكون المتوجّه إليه بالعبادة فاعلا من حيث هو ، ومنفعلا من حيث تعيّنه في تصوّرات العقول والأذهان والظنون والأوهام ، أوليس كذلك . فيه : نظر . أمّا في طور العقل فلا شكّ في فساده وبطلانه ؛ لما يستلزم ذلك من المحالات
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) الآية 148 . ( 2 ) . ه : يضاف ، ق : انضاف . ( 3 ) . ق : و .