تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
والتكليف نسبة لا تتعقّل إلّا بين مكلّف قادر قاهر عليم ، وبين مكلّف له صلاحيّة أن يكون محلّا لنفوذ اقتدار المكلّف ، وقابلا حكم تكليفه . ولمّا علمنا باللّه - أو قل - بما نوّر به سبحانه عقولنا وبصائرنا أنّ له تعالى الكمال المطلق الأتمّ ، بل هو ينبوع كلّ كمال ، ثم عرّفنا بواسطة نبيّه صلّى اللّه عليه وآله حين قال له في كتابه العزيز
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ
« 1 » تحقّقنا بما نوّر أوّلا وبما أخبر ثانيا أنّ الأحكام والأفعال الصادرة منه سبحانه تصدر منصبغة بالوصف الكمالي ، فليس منها حكم ولا فعل إلّا وهو كامل ، مشتمل على فوائد وأسرار وحكم شتّى ، لا يحيط بها علم أحد سواه ، وإنّما غاية الخلق وقصاراهم أن يعرفوا اليسير منها بوهب منه سبحانه أيضا ، لا بتسلّط كسبي ، ولا على سبيل الإحاطة بذلك اليسير . لكن مع هذا لا نشكّ أنّ أفعاله وإن كانت من حيث صدورها منه ونسبتها إليه - كما قلنا - خيرا محضا ، وكمالا صرفا ، فإنّها متفاوتة في نفسها بحسب مراتب الأسماء والصفات والمواطن والحضرات ، فبعض تلك الأفعال يكون لما ذكرنا أعظم جدوى من البعض ، وأجلّ قدرا ، وأتمّ إحاطة ، وأشمل حكما ، وأكثر استيعابا للحكم والأسرار . والحكم التكليفي من أجلّ الأفعال والأحكام وأتمّها حيطة ، وأشملها حكما ؛ فإنّه عنوان العبوديّة المنسحبة الحكم على كلّ شيء بسوط
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
« 2 » وقوله
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ *
« 3 »
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
« 4 » ولا شكّ أنّ كلّ مسبّح للّه مقرّ بعبوديّته له ، بل نفس تسبيحه بحمده إقرار منه بالعبوديّة للّه تعالى إقرار علم ، كما أخبر سبحانه بقوله :
كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
« 5 » . فكلّ ما يطلق عليه اسم « شيء » فهو داخل في حيطة هذا الحكم والإخبار الإلهي . وقد أسلفنا من قبل أنّ لكلّ حقيقة أو صفة تنضاف إلى الكون بطريق الخصوصيّة التي هي من خصائص الممكنات ، أو بطريق الاشتراك ، بمعنى أنّه تصحّ نسبتها إلى الحقّ من وجه وباعتبار ، وإلى الكون أيضا كذلك فإنّ لها - أي لتلك الحقيقة - أصلا في الجناب الإلهي ، إلى
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 84 . ( 2 ) . مريم ( 19 ) الآية 93 . ( 3 ) . الزمر ( 39 ) الآية 62 . ( 4 ) . الإسراء ( 17 ) الآية 44 . ( 5 ) . النور ( 24 ) الآية 41 .
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 213 | أبي المعالي القونوي / سيد جلال الدين آشتياني