تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
بالظاهر دون الباطن ؛ لأنّ الملك والمالك من الخلق لا يمكنهما ملك القلوب والبواطن ، بخلاف الحقّ سبحانه ؛ فإنّه يملكهما جميعا . أمّا باطنا فلأنّ « القلب بين إصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء » وكلّ ظاهر في باب الفعل والتصرّف فتبع للباطن ، فملك الباطن يستلزم ملك الظاهر دون العكس . ولهذا نجد من الناس من إذا أحبّ أحدا ، انفعل « 1 » له بباطنه وظاهره ، وإن لم يكن المحبوب ملكه وسلطانه ، ولا سيّده ومالكه بالاصطلاح المتقرّر . على أنّ التحقيق الكشفي أفاد أنّ كلّ محبّ فإنّما أحبّ في الحقيقة نفسه ، ولكن قامت له صورة المعشوق كالمرآة لمشاهدة نفسه من حيث المناسبة التامّة والمحاذاة الروحانيّة ، فكان المسمّى معشوقا شرطا في حبّ المحبّ نفسه ، وفي تأثيره في نفسه . ومن أسرار ذلك أنّ الإنسان نسخة جامعة مختصرة من الحضرة الإلهيّة والكونيّة ، وكلّ شيء فيه كلّ شيء وإن لم يتأتّ إدراكه على التعيين لكلّ أحد ؛ للقرب المفرط والإدماج الذي توجبه غلبة حكم الوحدة على الكثرة ، فإذا قام شيء بشيء « 2 » في مقام المحاذاة المعنويّة والروحانيّة كالمرآة إمّا منه أو ممّا يناسبه ، صار ذلك القدر من الامتياز والبعد المتوسّط مع المسامتة سببا لظهور صورة الشيء فيما امتاز به عنه ، أو عن مثله فأدرك نفسه في الممتاز عنه ، وتأتّى له شهودها ؛ لزوال حجاب القرب والأحديّة ، فأحبّ نفسه في ذلك الأمر الذي صار مجلاه ، فافهم . ولهذا المقام أسرار أخر شريفة جدّا لا يقتضي هذا الموضع ذكرها ، وإنّما هذا تنبيه وتلويح . ثم نقول : وقد قرئ - كما علمت - ملك يوم الدّين و
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
ولكلّ منهما من حيث اللغة معان ينفرد بها لا يشاركه فيها غيره . وأهل الظاهر قد ذكروا بينهما فروقا شتّى ، ورجّح بعضهم قراءة « ملك » ورجّح آخرون قراءة « مالك » بالألف ، واستدلّ كلّ منهم على صحّة ما اختاره بوجوه تقتضيها اللسان ، ولست ممّن ينقل هنا تفاصيل مقالاتهم غير أنّي أذكر من ذلك ما يفهم منه الفرق بين
هامش
( 1 ) . ق : يفعل . ( 2 ) . ق ، ه : لشيء .