تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
قد جعل كلّ فرد من أفراد العالم علامة ودليلا على أمر خاصّ مثله ، فمن حيث وجوده المتعيّن هو علامة على نسبة من نسب الألوهيّة المسمّاة اسما الذي « 1 » هذا الشيء الدالّ مظهر له ، ومن حيث عينه الثابتة فهو دليل على عين ثابتة مثله ، ومن حيث كونه عينا ثابتة متّصفة بوجود متعيّن هو علامة على مثله من الأعيان المتّصفة بالوجود . فالأجزاء من حيث هي أجزاء علامة على أجزاء مثلها ، ومن حيث مجموعها وما يتضمّنه كلّ جزء من المعنى الكلّي هي علامة على الأمر الكلّي الجامع لها والوجود المطلق الذي يتعيّن منه وجودها . وجعل أيضا مجموع العالم الكبير من حيث ظاهره علامة ودليلا على روحه ومعناه ، وجعل جملة صور العالم وأرواحه علامة على الألوهيّة الجامعة للأسماء والنسب ، وعلى مجموع العالم . وجعل الإنسان الكامل بمجموعه من حيث صورته وروحه ومعناه ومرتبته علامة تامّة ودليلا دالّا عليه سبحانه وتعالى دلالة كاملة . وكلّ ما عدا الحقّ والإنسان الكامل فليس كونه علامة على ما دلّ عليه شرطا ضروريا مطّرد الحكم ، لا يمكن معرفة ذلك الشيء بدونه ، بل ذلك بالنسبة إلى أكثر العالم والحكم الغالب ، بخلاف الحقّ والإنسان الكامل ؛ فإنّه قد يعلم بكلّ منهما كلّ شيء ، ولا يعلم أحدهما إلّا بالآخر ، أو بنفسه . وموجب ما ذكرنا وسرّه هو أنّ الإنسان نسخة من كلّ شيء ، ففي قوّته ومرتبته أن يدلّ على كلّ شيء بما فيه من ذلك الشيء ، فقد يغني في الدلالة على كلّ شيء عن كلّ شيء . وهكذا الأمر في الجناب الإلهي ؛ فإنّ الحقّ محيط بكلّ شيء ، فمن عرفه معرفة تامّة فقد « 2 » يعرف حقيقة كلّ شيء بطريق التضمّن أو الالتزام . والأمر في سوى الحقّ والإنسان الكامل كما بيّنّا ؛ فإنّ من عباد اللّه من يكون مبدأ فتحه الحقّ ، فيعرف الحقّ بالحقّ ، فإذا تحقّق بمعرفته وشهوده ، سرى حكم تلك المعرفة وذلك الشهود في مراتب وجوده ، فيعلم كلّ شيء بالحقّ ، حتى نفسه التي هي أقرب الأشياء
هامش
( 1 ) . ق : الذي هو . ( 2 ) . ه : قد .