الرسالة الفقيرية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وصلّى اللّه على سيّدنا محمد وآله وسلّم كثيرا وله رضي اللّه عنه :
سألتني أنعم اللّه عليك به به عن الفقر ، ولم يفصح لسانك بما تصوّره جنانك ، وفهمت منك أنك أردت الكلام عليه من كل الجهات ، وقد أسعفتك في الإنباء عنه من حيث اللغة ، والفقه ، والعقل ، والطريق ، فاقتنع بذلك مني حتى يخرج للفعل صلاح نسبتك الصوفية وتمحيصها ، ويشيع عند الجميع إصلاح نسبتك الصّدّيقيّة وتصحيحها ، وتكون من أولاد الإفادة والاستفادة ، ومن أهل الزيادة بخرق العادة وثبوت العبادة ، وحينئذ أجعل فيه تأليفا مختصرا وجيزا جامعا مانعا قريب التحصيل وصحيح التفصيل ، يتضمن غرضه الأقصى ومنفعته ومرتبته ونسبته ونحو التعليم المستعمل فيه ، وما يدل عليه اسمه ، ومن الواضع له ، وما غايته الفاعلة والمنفعلة ، وما ماهيته في الكمال الأول والثاني ، وكيف يطلق مع العلم المضنون به على أهله باشتراك ، ومع الحكمة بترادف ، وفي أي وجه هو من أوجه التصوّف ، وأين مرتبته في حبل التحقيق ، وأين هو من العوالم التي يتكلم عليها في السفر ، التي لم تسمع قط ولم ينطق بها إلا القرآن خاصة ، ولا سمعه وفهمه إلا خواص الخواص .
فنبدأ بذكر ما وعدتك به ، فنقول : الفقر في اللغة يطلق على أنحاء :
يقال : افتقر فلان فهو فقير ، وتمسكن فهو مسكين ، وتسكن لغة .
ويقال : فقير وقير ، توكيد للفقر ، ورجل معدوم ومبقع ومملق ومفلس ، قال اللّه عزّ وجل :
مِنْ إِمْلاقٍ
[ الأنعام : 151 ] .
ومدقع ومخلّ ومبلط وملقح ومخفّ ومقتر ومعون ومسبرت وسبروت ، رجل ذو فاقة وحاجة وخصاصة وخلة ومختل ، وفي حبوة ، وفي نكال من عيشه ، وفي شدة وضرّ يرقّ في شظف ووبد وجهد .
وتقول : بدّ الرجل يبد بدادة ، وبدت حاله فهو باد ، وحدّ فهو محدد ، ومحارب ومحروم .
وهذا كله لقليل الكسب ، وهو أخلق الكسب . وتربت يداه ، إذا لزقت للتراب من الحاجة .
ورجل معصب ومجدع ، جدعه الفقر ، ومؤتض .
قال رؤبة بن العجاج :
وهل يرى ذا حاجة مؤتضا
وساف مال الرجل إذا ذهب ، ورجل مسيف .