كلام موفق واللّه ، وقيل له : من أين استفدت هذا العلم ؟ فقال : من جلوسي بين يدي اللّه تعالى ثلاثين سنة تحت تلك الدرجة ، وأومأ إلى درجة في داره » « 1 » .
ورئي في يده سبحة فقيل له : أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة ؟ فقال : طريق وصلت به إلى اللّه تعالى لا أفارقه أبدا « 2 » .
وكان يدخل كل يوم حانوته ويسبل الستر ، ويصلّي أربعمائة ركعة ثم يعود إلى بيته ، كذا في الرسالة القشيرية « 3 » .
فانظر يا أخي بعين الإنصاف إلى حال هؤلاء الزنادقة ، وما هم عليه من سوء الاعتقاد مع ادّعائهم المعرفة باللّه تعالى التي هي أعز منالا من بيض الأنوق ومن مناط العبوق ، وحال السلف الصالح تجد بينهم من البون كما بين النور والظلام ، والعلم والجهل التام .
فإن القوم تخلّقوا وهؤلاء تشدّقوا ، وأولئك اتّبعوا وهؤلاء ابتدعوا ، وأولئك على الحق ائتلفوا وهؤلاء اختلفوا ، والقوم ساروا وما وقفوا وهؤلاء وقفوا وتخلفوا ، أجمع أهل الحق على اتّباع الشريعة فخالفوهم ، وعلى مخالفة الشيطان وجنوده فحالفوهم .
وقد قلت سابقا محذرا من هذه الطائفة التي عليها دوائر السوء دائرة وبها طائفة .
حمى أهل ذاك الحي من حله رقا * وعند أخا العرفان يرتحل الشّقا
حمى من به قد حل جل مناقبا * فدونكه يا طالب الوصل واللقا
وعربد على الصّاحي بسكرك إن تكن * برشف اللمى قد فزت أو جزت بالنقا
وكن يا فتى ممن بشدّة بأسه * لمقلة بعد الحبّ بالوصل قد فقا
وعادي لمن قد لام في شرب خمرهم * وصافي لمن كأس التّصابي قد سقا
وكن أحمدي الشّرب صاف من الرّدا * وإيّاك أن تلوي على من تزندقا
وشم نسيم القرب من عرف بأنهم * وكن من الحما ممن يحق تحققا
فهذا شراب لم يشبه مدنس * تصفي عن الأمشاج قدما وعتقا
فلذ في حمى ليلى لعلّك تحتمي * وتصبح من قيد الأجانب مطلقا
هامش
( 1 ) انظر : الرسالة للقشيري ( 2 / 726 ) ، والإحياء للغزالي ( 4 / 508 ) ، والحبور ( ص 113 ) بتحقيقنا ، والإمام الجنيد ( ص 287 ) .
( 2 ) انظر : الرسالة ( 1 / 108 ) ، وتاريخ بغداد ( 7 / 245 ) ، وطبقات الأولياء ( ص 128 ) ، والإمام الجنيد سيد الطائفتين ( ص 223 ) .
( 3 ) انظر : الرسالة ( 1 / 108 ) ، وكتابنا الجنيد ( ص 90 ) .