سبيلك ؟ ! قال : بلى ، أليسوا بعبادي ؟ ! فقال : يا ربّ ، اجعل بناء ذلك على يد ولدي سليمان ؟ قال : نعم » .
ثم إن تلك المسائل التي يحكم فيها بالتكفير لهؤلاء القوم في غاية الدقة والغموض ؛ لكثرة شعبها واختلاف قرائنها ، وتفاوت دواعيها ، والاستقصاء في معرفة الخطاب من سائر صنوف وجوهه ، والاطّلاع على حقيقة التأويل وشرائطه في الأماكن ، ومعرفة الألفاظ المحتملة التأويل وغير المحتملة ، وذلك يستعدي معرفة طرق اللسان من سائر قبائل العرب في حقائقها ومجازاتها ، واستعاراتها ، ومعرفة دقائق التوحيد ، وعوارضه إلى غير ذلك مما هو متعذر جدّا .
وكثيرا ما يتكلّم العارفون باللّه تعالى حين تهب على قلوبهم النفحات الإلهية بالكلام الذي لا يفهم العاقل منهم إلا الخطأ والتناقض ، فلا يقبله عقله ، وكان الأولى له التسليم ؛ لأن العلم الخاص بدائرة الولاية يباين العلم الذي عند العقلاء من العلماء ، فالأولياء يقرؤون علم العلماء ؛ لمرورهم على معناه حال السلوك والترقي عنه ، والعلماء بالعكس ؛ وذلك لأن طريق القوم مبنيّ على ما يقرب من طريق المعتزلة والجبرية في بعض الحالات ، وهي حالة شهود غيبة الصفات في شهود وحدة جمال الذات ، حتى كأن لا صفات .
فعلم مما قررناه : إنه ليس فوق علم العارفين باللّه علم إلا علم اللّه عزّ وجل ؛ فافهم .
وكان الشيخ محيي الدين العربي رحمه اللّه ينشد كثيرا :
عقد الخلائق في الإله عقائد * وأنا علمت جميع ما اعتقدوه
ومراد الشيخ : الاطّلاع على ما استندت إليه عقائد الخلق ، لا أنه يعمل بجميع عقائدهم مما يخالف السنة ؛ إذ كل عارف يلزمه بعد الظهور تحقق الحق ، وإبطال الباطل ، وإعطاء المراتب حقّها .
وقد قلنا في كتابنا المسمى « بالجواهر والدرر » : أن من أراد الترقي إلى دائرة الولاية فليمح من قلبه كل علم كان طريقه العقل والنظر الفكري ، فإذا فعل ذلك فقد تعرض لدخول تلك الحضرة واستنشاق هواها ، وبعيد على من أمعن النظر والفكر في علوم النقول حتى انتقشت تلك العلوم وانطبعت في مرآة قلبه أن يشمّ رائحة من فهم كلام أهل دائرة الولاية ؛ لأن الموازين العقلية وظواهر الموازين الاجتهادية تردّ كثيرا من علوم أهل اللّه عزّ وجل ؛ إذ علوم الأولياء فوق طور العقول ، وميزان العقول والأفكار لا تعمل هناك .
وبالجملة : فمن أقوى دليل على أن ظواهر المشي على الشريعة لا تغني عن علم