كالمعاصي وفنون محن المسلمين قلت : بلى يجوز للعبد أن يرضى بالمعاصي والمحن قولا أو فعلا ، ولكن يجب عليه الرضا بقضاء اللّه فيما قضى من الخير والشر ، كما يجب عليه الإيمان بما قدر اللّه من الخير والشر ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « وأن تؤمن بالقدر خيره وشره » ولا يجوز له مباشرة الشر وأن اللّه تعالى لم يقض بشيء من الخير والشر عبثا ، بل قضى بما قضى لحكمة بالغة ، وله الرضا فيما قضى وقد رضيا بما له فيه الرضا وقد قال المشايخ : الرضا باب اللّه الأعظم . قيل : يعني من أكرم بالرضا فقد لقي بالترحيب الأوفى وأكرم بالتقريب الأعلى .
وقال الأستاذ أبو القاسم : إن العبد لا يكاد يرضى عن الحق إلا بعد أن يرضى عنه الحق ؛ لأن اللّه تعالى قال :
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
[ المجادلة : 22 ] قلت :
- رضى اللّه عنهم - في الأزل بلا هم بأن يرضوا عنه إلى الأبد برضاه فرضوا ، وقيل :
قال موسى - عليه السلام - : ( إلهي دلني على عمل إذا عملته رضيت عني . فقال :
إنك لا تطيق ذلك ، فخر موسى ساجدا متضرعا ، فأوحى اللّه تعالى إليه يا ابن عمران إن رضائي في رضائك لقضائي » .
وقال النصراباذي : من أراد أن يبغ محل الرضا فليلزم ما جعل اللّه رضاه فيه .
وقال السري : خمس من أخلاق المقربين : الرضا عن اللّه فيما تحب النفس وتكره والحب له بالتحبب من اللّه والحياء من اللّه والأنس به والوحشة مما سواه .
وقال ابن شمعون : الرضا بالحق والرضا له والرضا عنه والرضا به مريدا ومختارا والرضا عنه قائما ومعطيا والرضا له إلها .
وعن ذي النون المصري قال : ثلاثة من أعلام الرضا ؛ ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب في حشو البلاء .
قلت : ما بلغ أحد حقيقة الرضا إلا بالصبر على البلاء ، والشكر عند النعماء والتوكل على رب السماء ، واستحلاء مر القضاء وسلطان المحبة في السراء والضراء ، فإن كل أفعال المحبوب محبوبة ، وسنذكر طرفا من مقام المحبة إن شاء اللّه تعالى .
الفصل السادس في مقام المحبة
قال اللّه تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في حديث رباني :
« ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق