لوجهه ساجدا ، وقال : هذا واللّه ابن ابني بعينه ، ولما ولد - صلى اللّه عليه وسلم - كانت تباشير النبوة في جبينه متظاهرة ، ولآلىء الحكم من فيه متناثرة ، كما قال بعضهم :
إن الهلال إذا رأيت نموه * أيقنت أن سيكون بدرا كاملا
وكان يوما - صلى اللّه عليه وسلم - بين الصفا والمروة قائما وهو ابن سبع سنين إذ نزل جماعة من تجار الشام كانوا على دين المسيح - عليه السلام - ، فنظر إليه أحدهم فعرفه بعلامات وجدها في كتابهم من نعوته وسيره ، فقال له : من أنت قال : أنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، فقال له : من رب هذه وأشار إلى السماء ، فقال : اللّه ربها .
فقال له : ومن رب هذه ؟ وأشار إلى الجبال ، فقال : اللّه ربها لا شريك له ، فقال له النصراني : فهل لها رب غير ؟ فقال له : لا حييت ، لتشككني في اللّه ما له شريك ولا ضد . ولما ترعرع كانت قريش تسميه محمد الأمين . لما شاهدوا فيه من الأمانة والصدق ، وقال - صلى اللّه عليه وسلم - :
« أنا دعوة إبراهيم ، وكرامة موسى ، وبشارة عيسى ، ورؤيا أمي آمنة » « 1 »
وذلك أن أمه رأت في المنام . أن نورا خرج منها فأضاءت قصور بصرى ، ولما آتاه الوحي وادعى الرسالة وأقام عليها الدلالة تظاهرت على الخلق معجزاته الباهرة تظاهر القطر من السماء خارجة لكثرتها عن الحدود والإحصاء ، قد صنف فيها الكتب الكبار فلا يسعها هذا المختصر . كما قيل :
فيا عجبا مني أحاول وصفه وقد فنيت فيه القراطيس والكتب فالصواب : أن نقتصر على القدر الذي ذكرناه من بشارات كتب الأنبياء قبله في إتيانه ، وإشاراتهم إلى عظم شأنه ، في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل ، ونذكر من معجزاته ما هو من أعظم آياته ، وهو الكتاب الذي جاء من عند اللّه فإنه البحر المحيط لا تنقضى عجائبه ، ولا تنتهي درره وغرائبه ، فأقول : إن وجوه الإعجاز في القرآن العظيم لكثيرة ؛ منها : الأخبار الصادقة عن الأمور المستقبلة ، كقوله تعالى :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ
[ الفتح : 27 ] وكان كذلك . وقوله :
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
[ التّوبة : 33 ] وكقوله :
ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
( 3 ) الآية . وكان كذلك .
وكقوله :
سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
( 45 ) [ القمر : 45 ] وقد هزموا .
وكقوله :
إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا
[ آل عمران : 122 ] وكقوله :
هامش
( 1 ) أخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ( 1 / 39 ) طبعة بيروت . والقرطبي في تفسيره ( 2 / 131 ) طبعة دار الكتب المصرية ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمال ، حديث رقم ( 31832 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت وأخرجه غيرهم .