تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥

الفصل الثالث في أصناف الوحي

قال تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
[ الشّورى : 51 ] فاللّه تبارك وتعالى جعل أقسام كلامه مع عباده ثلاثة : وحيا بلا واسطة ، كما أخبر عن حال النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - بقوله :
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى
( 10 ) [ النّجم : 10 ] وكلاما من وراء حجاب ، كما أخبر عن حال موسى - عليه السلام - . بقوله تعالى :
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً
[ النّساء : 164 ] والذي يدل على أنه كلمه من وراء حجاب قوله تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام - :
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
[ الأعراف : 143 ] أي ارفع الحجاب عني لأنظر إليك ، وإرسال الرسول : وهو جبريل - عليه السلام - وغيره من الملائكة يرسلهم إلى الرسل - عليهم السلام - ، كما قال تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
[ فاطر : 1 ] ثم أصناف الوحي ثلاثة : الأول : وحيا للعجماء ، وهو بالإجراء كما أخبر عن حال النحل بقوله تعالى :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً
[ النّحل : 68 ] الآية . فآثار الوحي في معاملاتها ظاهرة . فلو لم يكن أنها اتخذت البيوت المسدسة الهندسية التي يعجز العقلاء عن اتخاذ مثلها ، بإجراء الوحي الرباني ، وإلا فكيف يصدر من حيوان يكون بمعزل من العقل مثل تلك المعاملات . الثاني : وحيا للأولياء ، وهو بالإلهام كما قال تعالى :
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا
[ المائدة : 111 ] فلو لم يكن إيمان الحواريين بالإلهام الرباني إلى قلوبهم لكفروا . كما أخبر اللّه تعالى عن حالهم وحال غيرهم من بني إسرائيل بقوله تعالى :
قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ
[ آل عمران : 52 ] فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ، يعني فآمنت طائفة الحواريين من بني إسرائيل بالإلهام الرباني وكفرت طائفة منهم إذ لم يلهموا به . والثالث : وحيا للأنبياء ، وهو بالإيحاء من اللّه تعالى تارة بواسطة جبريل ، كما قال تعالى :
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ
[ الشعراء : 193 ] وأخرى بغير واسطة في النوم ، كما قال تعالى :
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
[ الصّافات : 102 ] وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - : « رؤيا الأنبياء وحي » « 1 » وقد ورد عن بعض الحكماء الإسلاميين :
هامش
( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم عبد الرحمن الرازي في التفسير ، حديث رقم ( 1823 ) [ ج 10 ص 3221 ] .