تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
أن أصناف الوحي يجب أن تكون بعدد أصناف قوى النفس وذلك أن الفيض الذي يأتي النفس إما أن تقبله بجميع قواها أو ببعضها ، وقوى النفس تنقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين وهما : الحس والعقل ، وكل واحد من هذين القسمين ينقسم إلى أقسام كثيرة ، وأقسامها إلى أقسام أخر كثيرة ، حتى تنتهى إلى الجزئيات التي لا نهاية لها ، وإنما غرض هذه الأقسام بحسب الآلات والمدركات الكثيرة ، فأما قواها : التي هي الحواس فمنها ما هو في أفق النبات ، ومنها ما هو في أفق الحيوان البهيمي ، ومنها ما هو في أفق الإنسان ، وأعلاها مرتبة ما هو في أفق الإنسان ، أعني حس البصر والسمع ، وذلك أن أول ما يقبله الحيوان من أثر النفس ويتميز به عن النبات هو حس اللمس ، الذي يوجد في أنواع الصدف ، ثم حس الذوق . والشم ، اللذين في أصناف الدود ، وكثير من الفراش ، ثم تأخره إذا قبل صورة السمع والبصر صار منه الحيوان الشريف الذي شرحنا من أمره ما شرحنا وإنما صار هذان الحسان شريفين لأنهما أبسط وأقل مخالطة للهيولي ، وذلك أنهما يقبلان صور الأمور من غير استحالة إليها ، فأما تلك الحواس الأخر فإنها لا تقبل الأثر إلا بمخالطة وممازجة واستحالة هيولانية ، وإذا كانت صور الحقائق التي تأتي النفس من فوق غير ملابسة لشيء من الهيولي لم تتجاوز حس البصر والسمع ؛ لأنه ليس في طاقة الحواس الأخر أن تقبلها بنوع من الأنواع ولا بجهة من الجهات ، وعلى أن تلك المعاني البسيطة الشريفة التي انتهت إلى السمع والبصر صار فيها ظل الهيولي ، ولذلك تظهر في معرض منها ولم يمكن بعد ذلك أن تتجاوز منها إلى كثافة أخرى ؛ لأن في ذلك خروجا عن ذواتها وهذا محال ، فقد تبين أن أصناف الوحي بعدد أصناف قوى النفس إلا ما استنار به من الحواس الثلاث التي هي في أفق الحيوان البهيمي القريب من النبات ، وأقواها ما اشتملت عليه النفس بقواها الباقية كلها ، ثم اشتملت عليه ببعضها إلى أن ينتهي إلى ما تقبله بقوة واحدة من قواها . وباللّه التوفيق واللّه أعلم . هذا من كلام الحكيم . وأما ما جاء على لسان العلم من أصناف الوحي ؛ فمنها : الرؤيا الصالحة في النوم ، كما روت عائشة - رضي اللّه عنها - قالت : أول ما بدىء به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - من الوحي : الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ضوؤه وإنارته . يعني ما يرى في النوم بالليل جاءه بالنهار حقا ظاهرا لا يحتاج إلى التأويل والتعبير . ومنها : ما يبدو في اليقظة فيسمع صوتا أو يرى ضوءا ، كما روينا عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : أقام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - بمكة خمس عشرة سنة وفي رواية ،
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين — صفحة 36 | عاصم ابراهيم الكيالى الحسينى الشاذلى الدرقاوى / عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي