أصحابنا لفناء حظوظهم .
وقال أبو بكر الكتاني : سماع العوام على متابعة الطبع ، وسماع المريدين رغبة ورهبة ، وسماع الأولياء رؤية الآلآء والنعم ، وسماع العارفين على المشاهدة ، وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان .
ولكل واحد من هؤلاء مصدر ومقام ، فلا ريب في أن السماع مشتمل على كثير من الفوائد ، قال اللّه تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
[ الزّمر : 18 ] وقال :
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
[ المائدة : 83 ] فكل سماع قول يفيد هذه المعاني لصاحبه من الهداية والرشد والمعرفة واللب فهو السماع الحق الذي اسمعه الحق تعالى . فمن القوم من يسمع في اللّه وباللّه ومن اللّه ، ولا يسمع بالسمع الإنساني بل يسمع بالسمع الرباني كما قال تعالى « 1 » :
« كنت له سمعا فبي يسمع » « 2 » .
عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - قال :
أوحى اللّه إلى موسى بن عمران - عليه السلام - : إني جعلت فيك عشرة آلاف سمع حتى سمعت كلامي وعشرة آلاف لسان حتى أجبتني . فمن كان له مثل هذا السمع فقد يسمع من الناقوس التوحيد كما سمع علي - رضي اللّه عنه - .
وهذا سماع لم يختلف فيه أحد من المسلمين ، وكذلك السماع يتضمن آفات كثيرة وفتنا عظيمة ، لمن تصدى بالحرص عليه ، إذا قلت أعماله وانفسدت أحواله وربما تطلب النفوس الاجتماع في السماع لتناول الشهوة واسترواحا إلى الطرب واللهو والعشرة ، واستجلاء لمواطن الغفلات والمطانبات ولا سيما في زماننا . فإن أكثر من تزيا بزي الطلبة هم البطلة من أرباب أصحاب النفوس والأهواء الذين ينتسبون إلى التصوف ، ويتشبهون بأهل التعرف ، يتداخلون في هذا الشأن بأغراض فاسدة ويتعاملون في أسواق كاسدة ، شيوخهم عن التقوى عرية ، وشبابهم عن الفتوة برية ، يباشرون الهوى في اجتماعهم ويعاشرون الرجال النساء في سماعهم ، فلعمري الواجب على ذوي الاجتهاد الصائب تحريم السماع بهذه العلل ، وسد هذا الخلل . اللهم إلا أن يكون شيخا كاملا وأصلا ، صاحب الولاية والتصرف ، وله أصحاب من الطالبين الصادقين ، فمن ذوي جد واجتهاد ، مواظبين على العزلة والخلوة منقطعين إلى اللّه ملازمي ذكر اللّه مجاهدي كفار النفوس بسيف الصدق وتأييد اللّه يسلم لهم السماع ،
هامش
( 1 ) أي في الحديث القدسي .
( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه بغير هذا اللفظ .