فلما سمع بذلك الوالد الإسلامي ، والسيد النجدي التهامي ، قال : يا بني أبعد الوصول إلى البيت المعمور ، ووقوفك في مشهد النور ، تحن إلى البيت الذي لا يبور « 1 » القائم بالتراب وبالصخور ؟ فقلت : يا أيها السيد ( الأميلد ) « 2 » لا حرج على من حن إلى جنسه ، فإنه اشتاق إلى نفسه ، الا ترى كيف هفا إلى البيت المعمور ، وهم بالخروج من حبسه ، فهو ينزعج ويمسكه الأجل المسمى ، فهو كمقعد يحمله أعمى ، فلو تخلص من ناشئه ليلته ، وشدة وطأتها ، وتحرر من ثقل الكلمة التي ألقيت عليه ، وعظيم سطوتها ، فلو وهب السراح : راح ، ولو منح المفتاح : استراح .
يا أبت : كيف لا أشتاق إلى تلك المناسك والأعلام ، وأنت الذي أسستها لعالم الأجسام ، وأعليته للمتثاقلين عن النهوض إلى هذه المشاهد الكرام .
فقال : ظننت أن سرك أنحجب بتربته ، ولهذا حن إلى كعبته ، ثم قال يا أبا رزين ، ويا أيها العاشق المسكين ، المشغوف بالحجارة والطين ، كيف تركت سرك بالكعبة حبيسا ، وصرت في العالم العلوي رئيسا .
فتنفس أبو رزين الصعداء ، وقال : واشوقاه إلى أعلام الهدى ، وعظم هيجانه ( واشتد ) « 3 » ورق أنينه ، وأنشد ( هذه الأبيات ) « 4 » :
قل لبيت الحبيب رفقا قليلا * بقليب أمسي عليلا ذليلا
لست أنسى بلابلا بفؤادي * يوم نودي بنا الرحيل الرحيلا
ليت أنى يوم النوى والتداني * للوداع أبقى لديه « 5 » قتيلا
لست أنسى ببطن بكة يوما * قوله لي : باللّه صبرا جميلا
إن بي مثل ما بكم فلتكن * بي طيب النفس : للسرور وصولا
لم أزل حين بنت عنهم وقاموا * ( اشتكي ) « 6 » الوجد والجوي والغليلا
هامش
( 1 ) لأن الكعبة نفسها سترتفع قبل يوم القيامة ، وستدخل الجنة يوم القيامة : يزفها كل من زارها ، كما تزف العروس كما ورد في الحديث الصحيح .
( 2 ) ما بين القوسين من المطبوعة ، والأمليد هو : « الناعم اللين » ، وفي المخطوطة « الشيخ » بدل « الأمليد » .
( 3 ) ما بين القوسين من المطبوعة .
( 4 ) ما بين القوسين من المطبوعة .
( 5 ) في النسخة التي راجعنا عليها « أبقي إليه » والتصحيح من المطبوعة .
( 6 ) ما بين القوسين من المطبوعة .