وعثاء السفر وكآبة المنقلب ، وروعة الحذر ، وقطعناها علما علما « 1 » واتخذناها لمعراجنا سلّما حتى وصلنا السماء المتوسطة ، والحضرة العادلة المقسطة سماء النبي أبي العلا والمهاة « 2 » - وهما أسنى الآباء والأمهات في ايجاد الحياة ، فلما وصلنا هذه السماء المطلوبة واستأذن لنا حاجب الحكمة المحبوبة ، فأذن السيد فدخلنا ، وقام لقدومنا فقعدنا ، وقال : من أين جاء الركب المحفوظ المصان الملحوظ .
فقلنا : من بلد الجسد الغريب .
فقال : مرحبا بالزائرين من بلد الحبيب ، ما أحسنها من مدينة حصينة ، فامت أركانها على التربيع ، وجعل سلطانها من العالم البديع ، وهذا العالم على جنسين : رفيع « 3 » ونازل ، وهذا السلطان من الجنس الرفع ، وقامت بها الصفات الإلهية ، فدعيت بالحي العالم المريد القادر ، المتكلم البصير السميع ، وأحكمت بتسع قوى مرصعة : غازية ، ونامية ، ومصورة ، وناطقة ، وعاقلة ، وحافظة ، ومفكرة ، ومتخيلة ، ومحسة ، فجاءت حسنة الترصيع ، واتقت بقوة تجذب المنافع ، وقوة تمسكها ، وقوة تهضم ما حصل في المعدة ، خوفا من المضار ، وقوة تدفعها .
وشرح ترتيب هذه المدينة يطول ، لكثرة ما فيها من الفصول ، لكنها جمعت حقائق المحدثات ، وبعض حقائق الإلهيات ، ما خلق اللّه خلقا أشرف منها ، ولا أخذت حكم عن أحد مثل ما أخذت عنها « 4 » ، أوتيت جوامع الكلم ، وأودعت فنون الحكم ، يا طول شوقي إليها ، ويا حسرتي عليها ، ما أشتهي قيام الساعة إلّا لردى إليها ونزولي عليها ، هي مدينة لا يعرف قدرها إلّا من عرف سر القدر ، ولهذا جهلها أرباب الفكر ، هي بوطيقي الحكمة ، وموسيقي النغمة ، وبرزخ النور والظلمة ، لا زالت أطباقها سافرة ، وأطباقها دائرة ، فخدم الجلساء الحجاب ، وسجدوا لظل الحجاب ، ثم رفعوا وأصاخوا واقنعوا وعاد إلى الكلام :
السيد الإمام والنسابة العلام ، وقال : هل عرفتم أن هذا المحل الأسنى ، لا
هامش
( 1 ) العلم : العلامة ، وهو أيضا : الجبل .
( 2 ) المهارة : البلورة .
( 3 ) رفيع ، بمعنى مرتفع . وهو ضد النازل .
( 4 ) في المطبوعة : « ولا أحدت حكم عن أحد مثل ما أحدت عنها » .