وعبيده ، وعند ذنوب إخوانه وأودائه ، وفي جميع محاوراته ومعاملاته ، فإنه إذا تذكر ما كان استقبحه من السفهاء : انكسرت بذلك سورة « 1 » غضبه ، وأحجم عماهم بالإقدام عليه من السب والوثوب ، فإن لم يكف بالكلية أقصر ، ولو أنه غاية الفحش .
وينبغي لمن أراد أن يقهر نفسه الغضبية ، أن يذكر أوقات غضبه على من يؤذيه ، أو يجني عليه ، أنه لو كان هو الجاني : ما الذي كان يستحق على جنايته ؟
فإنه بهذا الفعل يعتقد أن درك تلك الجناية ، أو أرش « 2 » ذلك الأذى : يسير جدا .
فإذا اعتقد ذلك ، كانت مقابلته للجاني ، والمؤذي ، بحسب اعتقاده ، فلا يسرف في الانتقام ، ولا يفحش في الغضب .
فإذا فعل ذلك دائما ، وجعله ديدنا ، وتفقد معائب السفهاء ، ومن يسرع إليه الغضب ، لم يبعد أن تنكسر نفسه الغضبية وتناقد ، فإذا استمر على ذلك مدة : صار خلقا وعادة .
وينبغي لمن يرغب في تذليل نفسه الغضبية أن يتجنب حمل السلاح ، وحضور مواضع الحروب ، ومقامات الفتن ، ومجالسة الأشرار ، ومعاشرة السفهاء ، ومخالطة الشرط ، فإن هذه المواضع تكسب القلب قساوة وغلظة ، وتعدمه الرأفة والرحمة ، فتقسوا لذلك نفسه الغضبية .
فإذا كان يريد تذليلها وتسكينها ، وجب أن يجعل مجالسته لأهل العلم ، وذوي الوقار ، والشيوخ ، والرؤساء ، والأفاضل ، ومن يقل غضبه ، ويكثر حلمه ووقاره .
هامش
( 1 ) بفتح السين المهملة وسكون الواو : شدة الغضب .
( 2 ) دية الجراحات .