فأخذني المملوك ، وكان من أحسن المماليك ، فاخترق بي جميع المسالك ، فرأيت ملكا عظيما ، وسلطانا جسيما ، بديع الترتيب والنظم ، رفيع الكيف مدوّن الكم .
ما من مسلك فيه إلّا عليه حافظ ، ولا مجلس إلّا وعليه واعظ ، فمن عرف ما أودع في تدبيره الحكيم من العلوم ، دبّر منه حكمته بصفة تقويه ينظر إليها روحانيات النجوم .
ومما رأيت في ذلك الجبل صهريجا معلقا في الهواء عليه قبّة عظيمة محكمة البناء ، يسقط من تلك القبة حجارة رخوة بصفة هندسية روحانية في ذلك الصهريج ، وفيه سرب ينتهي إلى صهريج آخر . معلق في الهواء فترسب تلك الحجارة فتثقل .
وعندهم نهر يسمى نهر الغريب يجري في طرقات مدبرة في سرب حتى ينتهي إلى ذلك الصهريج ، فإذا امتلأ طفت الحجارة حتى تسامت فم صهريج مصنوع من الكبريت فيعود ذلك الماء حميما فيطبخ تلك الأحجار ، فتكون منها الحكمة وهي التي تسمى الكيمياء .
فصل [ ومن ذلك : حضرة موسوية ثم رجعنا نبتغي سماء الكلام . . . ]
ومن ذلك :
حضرة موسوية ثم رجعنا نبتغي سماء الكلام ، لنقف على ما ورثناه من موسى عليه الصلاة والسلام ، فلما دخلنا عليه ، وخضعنا بين يديه ، سلّمنا وخدمنا ، فأكرمنا واحترمنا ، وجمع لنا بين إقبال الأخوّة والأبوّة ، إثبات الشرف مقام النبي محمد عليه الصلاة والسلام ووفى بمقام النبوة .
فقلنا له : ما حظّنا منك لنخبر به عنك ، وأوقفنا على ما لديك ، وما صرف الرحمن فيه النظر إليك .
فشال الحجاب ، وانفتح الباب من خلفه جنتان ،
ذَواتا أَفْنانٍ
،
فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ
،
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ
،
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
،
كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ
.
فقال : هذا لمن حرم في دنياه الأمان .
ثم شال عن يساره الحجاب فانفتح الباب من خلفه جنّتان ،
مُدْهامَّتانِ
،
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
،
فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ
،
حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
،
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
،
مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ
.