ولا أظرف محاورة منها . قد فاقت النساء ظرفا ، وأدبا ، وجمالا ، ومعرفة . فقالت : يا سيدي ، كيف قلت ؟ فقلت :
ليت شعري هل دروا * أيّ قلب ملكوا ؟
فقالت : عجبا منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا ؟ أليس كل مملوك معروف ؟
وهل يصح الملك إلا بعد المعرفة ؟ وتمني الشعور يؤذن بعدم المعرفة ، والطريق لسان صدق ، فكيف يتجوّز مثلك ؟ قل : فما ذا قلت بعده ؟ قلت :
وفؤادي لو درى * أيّ شعب سلكوا
فقالت : الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد ، وهو المانع له من المعرفة به ، فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إلى معرفته ؟ والطريق لسان صدق ، فكيف يتجوّز مثلك يا سيدي ؟ قل : فما ذا قلت بعده ؟ قلت :
أتراهم سلموا * أم تراهم هلكوا ؟
فقالت : أما هم فسلموا ، ولكن عنك ينبغي أن تسأل نفسك ، هل هلكت أم سلمت ؟
يا سيدي قل : فما ذا فعلت بعده ؟ قلت :
حار أرباب الهوى * في الهوى وارتبكوا
فصاحت وقالت : يا عجبا كيف يبقى للمشغوف فضلة يجار بها ؟ والهوى شأنه التعميم يخدّر الحواس ، ويذهب بالعقول ، ويدهش الخواطر ، ويذهب بصاحبه في الذاهبين ، فأين الحيرة هنا ؟ ومن هنا باق فيحار ؟ والطريق لسان صدق ، والتجوّز على مثلك لا يليق . قلت : يا بنت الخالة ، ما اسمك ؟ قالت : قرة العين ، قلت لها : لي . ومن شعري فيها ما قلته :
ما رحلوا يوم بانوا البزل العيسا * إلا وقد حملوا فيها الطواويسا
من كل فاتكة الألحاظ مالكة * تخالها فوق عرش الدّرّ بلقيسا
إذا تمشت على صرح الزجاج ترى * شمسا على فلك في حجر إدريسا
تحيي إذا قتلت باللحظ منطقها * كأنها عندما تحيي بها عيسا
توارتها لوح ساقيها سنى وأنا * أتلو وأدرسها كأنني موسى
أسقفّة من بنات الروم راهبة * ترى عليها من الأنوار ناموسا
وحشية ما لها أنس قد اتخذت * في بيت ناموسها للذكر ناووسا
قد أعجزت كل علّام بملّتنا * وداوديا وحبرا ثم قسيسا
إن أومأت تطلب الإنجيل تحسبها * أقسّة أو بطاريقا شماميسا