ملك إلا ومعه رجل حكيم ، فإذا رآه غضبان كتب له صحائف ، في كل صحيفة ارحم المسكين ، واخش الموت ، واذكر الآخرة . فكلما أخذ الملك صحيفة قطعها حتى يسكن غضبه .
وحدثنا عبد الصمد بن علي قال : كان ببلاد فارس في زمان الأكاسرة ينادي كل يوم مناد على باب قصر الملك : لا يكون ملك إلا بالرجال ، ولا يثبت الرجال إلا بالمال ، ولا يحصل المال إلا بالعمارة ، ولا تصحّ العمارة إلا بالعدل .
وحدثنا بعض الهنود أن الملك فيهم إذا خرج ركب على الفيل وبين يديه راكب مشرف على الناس ينادي بلسانهم وفي يده طشت من ذهب فيه جمجمة إنسان ، وفي يده اليمنى قضيب ، فيقول : يا أيها الناس ، وقال : ينظر إلى الملك ويقول : يا أيها الملك ، أنت ملك الناس قد ركبت على ملك السباع وإلى هذا مصيرك ، ويشير بالقضيب إلى الجمجمة ، والملك يبكي وينظر في أمور الناس إلى أن يرجع .
ووقفت في كتاب « سر الأسرار » لأرسطو على دائرة اصطنعها للإسكندر يوصيه فيها :
تتضمن العالم بستان سياجه الدولة . الدولة سلطان يحجبه السّنة . السّنة سياسة يسوسها الملك . الملك راع يعضّده الجيش . الجيش أعوان يكفلهم المال . المال رزق تجمعه الرعيّة . الرعية عبيد يعبدهم العدل . العدل مألوف فيه صلاح العالم . تصل الكلام بأوله .
وقال عيسى ابن مريم عليهما السلام : معاشر الفقهاء ، قعدتم على طريق الآخرة ، فلا أنتم مشيتم فوصلتم إليها ، ولا أنتم تركتم أحدا يجوزكم إليها ، فالويل لمن اغتر بكم .
روينا من حديث ابن مروان ، عن عبد اللّه بن مسلم ، عن الرياشي ، عن الأصمعي قال : كان بلال بن سعد يصلي الليل أجمع ، فكان إذا غلبه النوم في الشتاء ، وكان في داره بركة ، فيجيء فيطرح عنه ثيابه وينغمس في الماء ليذهب عنه النوم ، فعوتب في ذلك فقال :
ماء البركة في الدنيا خير من صديد أهل جهنم .
وكان عندنا بإشبيلية رجل عابد ، حسن الصوت ، كثير الاجتهاد ، سريع الدمعة ، دائم العبرة ، كثير الفكرة والتهجّد ، بتّ معه ليالي عدّة فلم يكن يفتر ، فربما أسمعه في بعض الأحايين ينشد بصوت طيّب غرد ، ودموعه تنحدر على خدّيه :
قطع الليل رجال * ورجال وصلوه
رقدوا فيه أناس * وأناس سهروه
لا يميلون إلى النو * م ولا يستعذبوه
فكأن النوم شيء * لم يكونوا يعرفوه