الزبير بالسيف ، فولى حرب يعدو هاربا حتى دخل دار عبد المطلب ، فقال : أجرني من الزبير ، فألقى عليه عبد المطلب جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس ، فبقي تحتها ، ثم قال له : اخرج ، فقال : وكيف أخرج وعلى بابك تسعة من ولدك قد اجتذبوا السيوف ؟ فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن له طرّتان خضراوتان ، فخرج عليهم ، فعلموا أنه قد أجاره ، فتفرقوا عنه .
روينا من حديث ابن عباس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفخروا بآبائكم في الجاهلية ، فوالذي نفسي بيده لما يدحرج العجل برجله خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية » ، أخذها القطب المطهّر واعظ العجم ، وكان بليغا في اللسان الفارسي ، فوعظ الناس يوما ، فقام إليه بعض الناس فقال : أيها الواعظ ، أنت خير أم الكلب ؟ قال :
فأطرق ساعة واستعبر ، وكان صالحا فقال : يا أخي ، أما إني إن فزت بالجنة ونجوت من النار فأنا خير من الكلب ، وإن كان غير ذلك فالكلب خير مني . أخبرني بهذه الحكاية تلميذه صاحبنا مجد الدين أبو إبراهيم إسحاق بن محمد بن يوسف القونوي .
وكان الحسن بن أبي إسحاق البصري يقول : يا ابن آدم ، لم تفتخر وإنما خرجت من سبيل البول نطفة تنسحب بأقذار ؟ قال بعض الحكماء ، وكان من الصالحين لرجل آخر يفتخر : أيفتخر من أوّله نطفة مذرة ، وآخره جيفة قذرة ، وهو فيما بينهما وعاء عذرة ؟
وأنشدنا ابن البطين لعليّ بن أبي طالب القيرواني ، وقيل : لعليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه :
الناس من جهة التمثل أكفاء * أبوهم آدم والأم حواء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه * والجاهلون لأهل العلم أعداء
وكان أبي كثيرا ما ينشد :
الحمد للّه ليس الرزق بالطلب * ولا العطايا على فهم ولا أدب
إن قدّر اللّه شيئا كنت نائله * وليس ينفعني حرصي ولا نصيبي
وخطب بعض الخلفاء وقد خطر له حسن الظن باللّه تعالى فقال : الحمد للّه الذي أنقذني من ناره بخلافته .
ومن حسن كلام الحجاج أن كان ينفعه ذلك وقد أشاع موته بعض من يكرهه ، قال الناس يوم مات الحجاج : مات الحجاج ، فقال : مه ، ما أرجو الخير كله إلا بعد الموت ، واللّه ما رضي البقاء إلا لأهون الخلق عليه إبليس ، إذ قال :
رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *