ولنا في هذا المعنى :
لا تنكروا الحمرة في طرف من * يسفك بالطرف دماء البشر
وإنما الإنكار من أنفس * أرضية سالت بعين القمر
والنفوس هنا الدماء ، كما قال القائل :
تسيل على حد السيوف نفوسنا * وليس على غير السيوف تسيل
ثم تذاكرنا فيما قال الأدباء في فنون شتى ، إلى أن وقع ذكر النساء المتقدمات فقال :
ما نرى في زماننا من مثل أولئك أحدا ، فقلت له : يا سيدي ، هنا عندنا بالبلد أمّ النساء بنت عبد المؤمن التاجر الفاسيّ ، وهي تجيد الشعر ، وقد أنشدت للسيد أبي علي صاحبك عندما ولّي علينا قصيدتها ، وكنت أحفظها فأنشدته إياها ، فاستحسنها ، ولا أذكر الآن منها إلا أول بيت ، وهو قولها :
جاء البشير بوعد كان ينتظر * فأصبح الحقّ ما في صفوه كدر
من خير هاد غدا بالهدى يأمرنا * وفي أوامره التسديد والنظر
وفيها تصفه بالحرب :
ليث إذا اقتحم الأبطال حومتها * يفني الكتائب لا يبقي ولا يذر
فجرينا في هذا الميدان ساعة ، فأمتعني منه ما ملأ القلب أنسا وطبت به نفسا ، إلى أن جرى في أثناء ذلك المجلس الزاهر ، النمام بأعراف هذه الأزاهر . وذكر فضل الشاعرة وآدابها ، وأنها ممن جمعت بين الشعر والصوت ، فكانت تقول الشعر وتلحنه ، ثم تغني به على العود . فقلت له : هل تحفظ من شعرها الذي لها فيه صوت ؟ فقال : كثير ، فقلت : فإن رأي سيدي في ذلك ، فقال : روينا من حديث قاسم بن عبد اللّه أنه قال : كنت عند سعيد بن حميد الكاتب وقد افتصد ، فأتته هدايا فضل الشاعرة ألف جدي ، وألف دجاجة ، وألف طبق رياحين وطيب ، فلما وصل ذلك كتب إليها : إن هذا يوم لا يتم السرور فيه إلا بك وبحضورك . قال القاسم يصفها : وكانت من أجود الناس شعرا ، وأملحهم صوتا ، وأحسن الناس ضربا بالعود . فأتته فضرب بينها وبينه حجابا ، وأحضر ندماه ، فلما استوى المجلس بالقوم وسرى السرور أخذت العود وغنّت ، والشعر لها :
يا من أطلت تفرّسي * في وجهه وتنفسي
أفديك من متدلل * يزهو بقتل الأنفس
هبني أسأت وما أسأ * ت بلى أقول أنا المسئ
أحلفتني أن لا أسا * رق نظرة في مجلس