قال : فبينما هي تخاطب سعدا رضي اللّه عنه إذ دخل عمرو بن معدي كرب ، فقال :
أنت حرقة التي كانت تفرش لك الأرض من قصرك إلى بيعتك بالديباج المبطن بالوشي ؟
قالت : نعم ، قال لها : ما الذي دهمك ، وأذهب محمود شيمك ، وغوّر ينابيع نعمك ، وقطع سطوات نقمك ؟ قالت : يا عمرو ، إن للدهر عثرات تلحق السيد من الملوك بالعبد المملوك ، وتخفض ذا الرفعة ، وتذلّ ذا النعمة . وإن هذا أمر كنا ننتظره ، فلما حل بنا لم ننكره ، فسألها سعد ، فيما ذا قصدت له ؟ فاستوصلته ، فوصلها وقضى حوائجها ، فلما انفصلت عنه سئلت ما ذا لقيت منه ؟ فأنشدت تقول :
صان لي ذمّتي وأكرم وجهي * إنما يكرم الكريم الكريم
وحدثنا أيضا قال : قال الأصمعيّ : بينما أطوف بالبيت إذ بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تنشد وتقول :
يا ربّ إنك ذو أمن ومغفرة * دارك بعفوك أرواح المحبّينا
الذاكرين الهوى ليلا إذا هجعوا * والنائمين على الأيدي مكبّينا
يا ربّ كن لهم عونا إذا ظلموا * واعطف بقلب الذي يهوون آمينا
قال : فقلت : يا جارية ، أفي هذا المقام ، وحول هذا البيت الحرام تذكرين الهوى ؟
قالت : أو تعرف الهوى ؟ قلت : وأنت تعرفينه ؟ قالت : بليت به صغيرة ، وأحطت به خبرا كبيرة . قلت : صفيه لي . قالت : جلّ أن يخفى ، ودق أن يرى ، فهو كامن ككمون النار في الحجر ، إن قدحته أورى ، وإن تركته توارى . قال الأصمعي : فما سمعت من وصفه بمثل ما وصفته .
وحدثنا محمد بن سعيد رحمه اللّه ، قال : قال وهب بن ناجية الرصافي : كنت أحد من وقعت عليه التهمة في مال مصر أيام الواثق ، فطلبني السلطان طلبا شديدا حتى ضاقت عليّ الرصافة وغيرها ، فخرجت إلى البادية مرتادا رجلا عزيز الدار ، منيع الجار ، أعوذ به ، وأنزل عليه ، فبينما أنا أسير إذ رأيت خياما ، فعدلت إليها ، فملت إلى بيت منها مضروب وبفنائه رمح مركوز ، وفرس مربوط ، فدنوت فسلّمت ، فردّ عليّ نساء من رواء السجف ، وقالت لي إحداهن : اطمئن يا حضريّ ، فنعم مناخ الضيفان بواك القدر ومهدك السفر .
قلت : وأنّى يطمئن المطلوب ، أو يأمن المرغوب ، من دون أن يأوي إلى جبل يعصمه ، أو مأمن ، أو مفزع يمنعه ، وقليلا ما يهجع من السلطان طالبه والخوف غالبه . قالت : لقد ترجم لسانك عن ذنب عظيم ، وقلب صغير ، وإيم اللّه لقد حللت بفناء رجل لا يضام بفنائه أحد ، ولا يجوع بساحته كبد ، هذا الأسود بن قتان ، أخواله كعب ، وأعمامه شيبان ،