الكون على صورة الباء . فلهذا قال العارف : ما رأيت شيئا إلا رأيت الباء عليه مكتوبة ، وهو أنه رأى صورة الباء في كل شيء تكوّن عنها « 1 » لأن كل شيء ظلها فهي سارية في الأشياء . ولهذا ذكر اللّه تعالى أن الظلال يسجد له بالغدو والآصال لميل الشمس وظهور الظل ، فإن النور إذا اكتنفك من جميع الجهات « 2 » وهو حد الاستواء اندرج ظلك في نورك كما يفنى الكون عند ظهور الحقيقة ، فلا يبقى له أثر في أي مقام كنت .
- إن كان في مقام الذكر فيفنى الكون عند الذكر .
- وإن كان في مقام المشاهدة فيفنى في المشاهدة .
فالمقصود : أنه ليس للكون ظهور أصلا ، عند تجلي الحقيقة ، وإنما ظهوره بالباء ؛ لأنه ثوبها . وإن الكون ينسلخ منها ، وهي لا تنسلخ منه كما انسلخت هي من هوية موجودها .
عطس رجل بحضرة الجنيد « 3 » فقال : الحمد للّه ، فقال الجنيد : أتممها ، كما قال اللّه :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ .
هامش
( 1 ) في النسخة ( ط ) : « في كل شئ يكون عشرة » .
( 2 ) هذه الجملة السابقة أنظرها في هذه الآية رقم ( 15 ) من سورة الرعد ونصها :وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ( 15 ) .
( 3 ) في النسخة ( خ ) : بمحضر الجنيد . و ( الجنيد ) هو : الإمام ( أبو القاسم الجنيد ) : ابن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري . ولد سنة 215 ه - ببغداد ، وأصله من نهاوند ، كان تلميذا للسري السقطي ، وهو خاله . كان يقول : " احذروا فراسة المؤمن فإنه يرى بنور اللّه " ، ثم قرأ قوله تعالى : " وفي الأرضلَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ" ( آية ( 75 ) من سورة الحجر فقال للمتفرسين . ترك الجنيد عددا من الرسائل طبعت قديما ، وأقواله مشهورة ومنتشرة في بطون الكتب الصوفية حتى لا يكاد يخلو منها كتاب .
توفي الجنيد ( رحمه اللّه ) سنة 297 ه - وهو مقبول على جميع الألسنة .
انظر ترجمته في : السلمي طبقات الصوفية ص 155 ، الدكتور جمال سيدبي : رسائل الجنيد سزكين تاريخ التراث العربي 1 / 4 / 131 الجامي : نفحات الأنس 1 / 266 ، أبو نعيم : حلية