وسعت الأفهام هاهنا من ذلك ما جاءت به العبارة العليا بقوله تعالى « 1 » :
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها
، ثمّ قال مايدقّ فهمه عن إدراك البصائر ، فيحتاج إلى الإيمان بالغيب ، وهو قوله سبحانه « 2 » :
وَلَدَيْنا مَزِيدٌ
، ولا أعظم من هذا ، وفي قبالة هؤلاء ما أنبأ فيه بقوله « 3 » :
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً
، لأنّ جميع ذلك في النّفس مركز مبثوث « 4 » ، مشاهد لها فيها حيث « 5 » ما تشاهده في الخارج من جميع الجسمانيّات ، فإذا زالت الحجب الجسمانيّة رأت ذلك حاضرا ، ولهذا مثال مشهود من المنام الصّادق ، وهاهنا للمتفكّرين في معراجهم يحسبهم فيه .
موعظة لهم وذكرى :
ومن ترقّى من هاهنا ، ذائقا بالعمل ، مجاهدا لفكرته عن التّقلقل ، مستقيما ، رافضا للحواسّ ، ملازما لحالة عشقيّة ، ملاحظا للحمد ، رقي من محلّ الإنس إلى مقام التّوحيد ، ومن هنالك يسير إلى الوصول حتّى يصل إلى اليسير فافهم .
ولمّا كانت النّفس لا تنال من القرب إلّا بحسب تجريدها ، ولا تجريد إلّا باجتهاد ، قال تعالى « 6 » :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
، ولمّا كان زبدة الجهاد المطلق هو الصّبر ، كان حكم الصّابر كحكم من حبس نفسه عن السّير في سائر السّبل ، إلّا واحدا ، ومن شأنها سير أبدا فسرت فيه ضرورة .
هامش
( 1 ) سورة ق : 35 .
( 2 ) سورة ق : 35 .
( 3 ) سورة الكهف : 49 .
( 4 ) في م : « مبثوث » .
( 5 ) في م : « حين » .
( 6 ) سورة العنكبوت : 69 .