تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
فقد زال شؤم البان والغرب
فإنّ العرب تتشاءم بالبان لأنه من البين والغرب من الغربة ، كما قال :
تعد الطائرات لبين سلمى * على غصنين من غرب وبان
فكان البان أن بانت سليمى * وفي الغرب اغتراب غير دان
وقوله : ما للغراب نعيق في منازلنا ، البيت بكماله ، يقول : وإن الناس يتشاءمون بنعيق الغراب ، وأنه من مبشّرات البين وشتات الشّمل « 1 » ، وهنا لا يتصور فإنّ الذي أهواه في قلبي ، فليس لأسباب البين فيه ندب ، أي ليس له أثر في تفريق الشّمل ، فإنّ الحقائق تعطى أن لا حجاب بعد التجلي ولا محو بعد الكتابة في القلب . وقال رضي اللّه عنه :
حمامة البان بذات الغضا * ضاق لما حمّلتنيه الفضا
يخاطب الحكمة المنزهة بذات الغضا الكائنة بأحوال المجاهدات والرياضات كنّى عنها بالغضا ، وقوله : ضاق لما حملتنيه الفضا ، أراد ما أريد بقوله في الأمانة المعروضة :
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : 72 ] ، والذي أراده القائل أيضا بقوله :
ضاحك عن جمان سافر عن بدر * ضاق عنه الزمان وحواه صدري « 2 »
ثم قال :
من ذا الذي يحمل شجو الهوى * من ذا الذي يجرع مرّ القضا
أقول من وجد ومن لوعة * يا ليت من أمرضني مرّضا
مرّ بباب الدار مستهزئا * مستخفيا ، معتجرا ، معرضا
ما ضرّني تعجيره إنّما * أضرّ بي من كونه أعرضا
يقول : من ذا الذي يحمل آلام الهوى ، ومن ذا الذي يقدر يجرع مرّ ما يقضي به اللّه من الأمور التي لا تلائم لطبيعة النفس لا بمعرفة كاملة تحجبه عن تلك المرارة ، كما يحجب الدواء المرّ بما يلقى فيه من الحلاوة ليسوغ لشاربه لتحصل المنفعة . ثم قال : أقول من وجد ؛ أي حزن ، ومن لوعة ، حرقة الهوى ، يا ليت من كان سببا لمرضي يلتزم تمريضي وسياستي فيكون شفائي وشغلي به عن مرضي بمشاهدته ، وقوله : مرّ بباب الدار ، يريد الخواطر الإلهية التي تخطر له من جانب الحق من غير حلول ولا إقامة ، بل هي بروق تلوح ، وقوله : مستهزئا ، من قوله تعالى :
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : 15 ] فلا
هامش
( 1 ) الشّمل : الاجتماع . ( 2 ) الجمان : اللؤلؤ .