« القلب إذا طهّره الذكر وأخرجه من سجن عبادات صفات النفس ، إلى صفاته الروحانية من صفات عالم الأمر . . صار القلب والملائكة في هذه القاعدة سواء . فانظر إلى صفة عبد قلبه بمثابة الملائكة ، كما كان في الأزل قبل مجاورة الأجسام « 1 » ، ما شأنه عند اللّه ، وما شأن علوّ حاله في الأحوال . . قال قائل : ما علامة عبد اتصف قلبه بصفة الملائكة ؟ قال : إذا كان قلب العبد مالكا لتصرّف مملكة ظاهره وباطنه ، فصورته صورة الآدميين ، وفعله وحركاته وسكناته من فعل الملائكة المقرّبين . قال قائل : كيف يكون مالكا بمصالح باطنه وظاهره ؟ قال : أن يكون عقله أمرا على شهوته ، وعلمه أمرا على جهله ، وشرعه أمرا على طبعه ، وقلبه أمرا على نفسه . . فإذا حصل للعبد هذا ، فهو آدمىّ الصورة ملكىّ الصفة ربانىّ الاستغناء ؛ وبهذا صار الإنسان أعلى شأنا من الملائكة « 2 » .
والذكر على الحقيقة ، ذكر القلب لا ذكر اللسان . وذكر القلب - عند النهاية - يقتضى رفع الحجاب . والذكر على الحقيقة ، من هو مذكور الحق ؛ كما قال اللّه تعالى :
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
« 3 » . . أي اذكرونى ذكرا يستوجب منى الذكر لكم . ومعنى ذكر الحقّ للعبد ، نظره إليه وإقباله عليه وقربه منه ؛ وهذا ذكره في نفسه ، كما قال : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه « 4 » . ولهذا في الحقيقة شرح يطول .
وذكر القلب نوعان : نوع استئناس ونوع استغراق . فنوع الاستئناس في مقام اللطائف ، ونوع الاستغراق في مقام مشاهدة ذكر الحق إياه « 5 » . . وقد قال اللّه تعالى : أنا جليس من ذكرني .
هامش
( 1 ) الإشارة إلى عالم الأرواح قبل خلق الأجساد ( عالم الذر ) .
( 2 ) الإشارة إلى أمر اللّه للملائكة بالسجود لآدم ( أصل النوع الإنسانى ) .
( 3 ) سورة البقرة ، آية 152 .
( 4 ) حديث قدسي .
( 5 ) راجع فصل « في الاستغراقات » في فوائح الجمال .