تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
واعتل النوري فبعث إليه الجنيد بصرة دراهم فردها ثم اعتل الجنيد فعاده النوري وقعد عنده ووضع يده على جبهته فعوفي فورا ، فقال له : إذا عدت إخوانك فارقهم بمثل هذا البرء . ولما سعى غلام الخليل بالصوفية إلى الخليفة وأمر بضرب أعناقهم فأحضروا وأحضر السياف فبارد إليه النوري ، فقال السياف : تدرى لم تبادر ؟ قال : نعم لضرب العنق أوثر أصحابي بحياة لحظة ، فتحير السياف ورمى السيف وأخبر الخليفة فرد أمرهم لقاضي قضاة بغداد فسألهم عن مسائل ، فالتفت النوري يمينا وشمالا ثم أطرق ثم أجاب فأعجبه ، ثم قال : إن للّه عبادا يقومون باللّه ، ويروحون باللّه ، وينطقون باللّه ، ويحيون باللّه ، ويموتون باللّه ، ويرجعون في كل أمورهم إليه ، ويتوكلون عليه ، ويثقون بجميل نظره إليهم فبكى القاضي ، وقال للخليفة : إن كان هؤلاء زنادقة فما على وجه الأرض مسلم ، فأطلقهم وسأله القاضي عن التفاته ، فقال : سألت صاحب اليمين فقال : لا أعلم ، وصاحب الشمال ، فقال كذلك ، فسألت قلبي فأخبرني عن ربي فأجبت . وكان شديدا في تغيير المنكر ولو كان فيه تلفه ، نزل الدجلة يوما يتوضأ فرأى زورقا فيه ثلاثون دنا خمرا فسأل عنها فقيل : للخليفة المعتضد ، وكان قليل الرحمة جدا فأخذ مدراة فكسرها إلا واحدا ، فقبض عليه وأحضر إلى المعتضد وكان يسبق سيفه كلامه فلما رآه قال : من أنت ؟ قال : محتسب ، وقال : من ولاك الحسبة ؟ ، قال : الذي ولاك الإمامة ، قأطرق ثم قال : ما الذي حملك على ذلك ؟ قال : الشفقة عليك قال : كيف تركت دنا واحدا ، قال أعجبتني نفسي عند وصولى إليه فتركته ، فخلّى سبيله . ومن فوائده : التصوف ترك كل حظ للنفس . وقال : أعز الأشياء في زماننا عالم يعمل بعلمه وعارف ينطق عن حقيقة . وقال : كانت المرقعات غطاء على الدر فصارت مزابل على الجيف . وسئل عن الرضا ، فقال : عن وجدي تسألون ؟ أو عن وجد الخلائق ؟ قالوا : عن وجدك قال : لو كنت في الدرك الأسفل من النار كنت أرضى ممن هو في الفردوس الأعلى . وقال : لا يصح لعبد مقام المشاهدة وفيه نظر لغير اللّه ، ومتى طلع الصباح استغني عن المصباح .