ولقد سبقوا من دونهم سبقا ، لا بكثرة الأعمال ، ولكن بصحة الإرادات ، وحسن اليقين ، مع دقائق الورع ، والانقطاع بالقلب إليه ، وتصفية السر عن كل ما دون الحق .
فأذاقهم اللّه طعم لباب معرفته ، وأنزلهم في حظيرة قدسه ، لا يصبرون عن ذكره ، ولا يشبعون من برّه ، ولا يستريحون لغيره .
فيا طوبى لهم ! هم الأقلون عددا ، والأعظمون خطرا ، بهم يحفظ اللّه محبته ، حتى يؤدوها إلى نظرائهم .
فيا طوبى لهم ! هم الزاهدون فيما رغب فيه الغافلون ، والمستأنسون فيما استوحش منه الجاهلون ، والمشتاقون إلى ما هرب عنه الساهون ، هم الذين نظروا بأعين القلوب ، إلى حجب الغيوب ، وجالت أرواحهم في الملكوت ، فهمتهم في سرهم ، وسرهم عند ربهم ، به يستمعون ، وبه ينظرون ، وبه يريدون ، وبه يتحركون ، قلوبهم بحبها مستأنسة بأنسها .
قال أبو يزيد رحمه اللّه : الناس يصيحون من إبليس ، وهو يصيح منّي !
قيل له : كيف هذا ؟ والمصطفى عليه الصلاة والسلام كان مأمورا بالصياح منه ، في قوله تعالى :
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ
( 97 ) [ المؤمنون : 97 ] ؟
قال : لأن اللّه تعالى أمره في هذه الآية بالاعتصام به ، وتفويض الأمر إليه ؛ وفرق بين الصياح من إبليس ، وبين الاعتصام باللّه ، وقد قال اللّه تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
[ الحجر : 42 ] .
قال ذو النون رحمه اللّه تعالى : للعارف نار ، ونور ؛ نار الخشية ، ونور المعرفة ؛ فظاهره محترق بنار الخشية ، وباطنه منوّر بنور المعرفة .
فالدنيا تبكي بعين الفناء عليه .
والآخرة تضحك بسنّ البقاء إليه ! .
فكيف يقدر الشيطان أن يدنو منه ظاهرا وباطنا إلا كالبرق الخاطف ؟ أو كالريح العاصف .
أتاه عارض من قبل العين أحرقته نار العبرة .