ثم بلغ إلى نفر آخر ، فإذا أبدانهم أشد نحولا ، وألوانهم أشد تغيرا ، فقال : ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الشوق إلى الجنان ؛ فقال : حق على اللّه أن يعطيكم ما ترجون .
ثم مرّ حتى بلغ نفرا ثالثا ، فإذا أبدانهم أشد نحولا ، وألوانهم أشد تغيرا ، فقال :
ما الذي بلغ بكم ما أرى ؟ قالوا : الحب للّه والشوق إليه ، فقال لهم عيسى عليه السلام : أنت المقربون - ثلاث مرات - .
فأهل المعرفة ثلاثة أصناف : صنف يمشون على قدم الافتقار والاضطرار ، وصنف يمشون على قدم الاعتبار والانكسار ، وصنف يمشون على قدم الافتخار والاستبشار .
قال اللّه تعالى :
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ
[ فاطر : 32 ] .
والناس في مشهد المعرفة على مرتبتين : إما في يقظة المعرفة ، فهم في تربية الولاية ، فينظرون الكرامة ؛ وإما في نوم الغفلة ، فهم في تربية العداوة ، فهم ينظرون الإماتة ، إلا أن يرحمهم أرحم الراحمين .
فسبحان من خصّ من عبيده من شاء وأعطاهم ، ثم دعاهم إلى نفسه بفضله حيث قال :
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ
[ الزّمر : 54 ] ، فأجابوه وأنابوا إليه ، فهم على أصناف شتى :
فالتائبون يمشون برجل الندامة على قدم الحياء .
والزاهدون يمشون برجل التوكل على قدم الرضاء .
والخائفون يمشون برجل الهيبة على قدم الوفاء .
والمحبون يمشون برجل الشوق على قدم الصفاء .
والعارفون يمشون برجل المشاهدة على قدم الفناء .
فالمعرفة طعام أطعمه اللّه من شاء من عباده ، فمنهم : من يذوقه ذوقا ، ومنهم :
من يأكل منه بلاغا ، ومنهم : من يأكل منه كفافا ، ومنهم : من يأكل منه شبعا .
والناس في المعرفة على منازل : فمنهم من يكون منزله منها كشعب ، ومنهم من يكون كقرية ، ومنهم من يكون كمصر ، ومنهم من يكون منزله منها كالدنيا والآخرة .