الرضا عن اللّه :
أي بني ! اعلم أن العبد إذا علم أن اللّه سبحانه حكيم فيما حكم ، وقدير عالم بما قضى ودبّر ؛ وعرف أنه جاهل بالمحبوب والمكروه ، رضي عن اللّه في حكمته وقضائه .
والرضا : هو سكون القلب إلى الحكيم ، وترك الاختيار مع التسليم ، ولا شيء أشد على النفس من الرضا بالقضاء ، لأن الرضا بالقضاء يكون على خلاف رضا النفس وهواها ، فطوبى لعبد آثر رضا اللّه تعالى على رضا نفسه .
وروي أن موسى عليه الصلاة والسلام ، كان يقول في مناجاته :
إلهي ! خصصتني بالكلام ، ولم تكلم بشرا قبلي ، فدلني على عمل أنال به رضاك .
فقال اللّه تعالى : يا موسى ! رضائي عنك ، رضاك بقضائي .
وقال الداراني رحمه اللّه تعالى : أرجو أن أكون قد أعطيت من الرضا طرفا ، وذلك أن اللّه تعالى لو أدخلني النار ، لكنت بذلك راضيا ، وأن أحق الناس بالرضا :
أهل المعرفة ؛ وهو باب اللّه الأعظم .
وروي في بعض الكتب : أن جبريل عليه الصلاة والسلام ، كان يهبط إلى الأرض ، فرأى رجلا عليه أثر السكينة .
فقال : يا رب ! ما أحسن هذا الرجل ! .
فقال اللّه تعالى : يا جبريل ! أنظر اسمه في اللوح في أسماء أهل النار .
فقال : إلهي ! ما هذا ؟ .
فقال : يا جبريل ! إني لا أسأل عمّا أفعل ، وأنه لا يبلغ أحد من خلقي علمي ، إلا بما شئت .
فقال جبريل : يا رب ! أتأذن لي أن أخبره بما رأيت ؟ قال : لك الإذن . فهبط جبريل وأخبره بحاله ، فخرّ الرجل ساجدا .
وكان يقول : لك الحمد يا مولاي ! على قضائك وقدرك ، حمدا يعلو حمد الحامدين ، ويزيد على شكر الشاكرين .
قال : فما زال يحمد اللّه تعالى ، حتى ظنّ جبريل أنه لم يسمع ما قال ! .
فقال : يا عبد اللّه ! وهل سمعت ما قلت لك ؟ .