وأول مدارج المعرفة : التوحيد ، وهو قطع الأنداد ؛ والتجريد : وهو قطع الأسباب ؛ والتفريد : وهو بمعنى الاتصال بلا سير ، ولا عين ، ولا دون .
ولها خمسة طرائق :
أولها : الخشية في السر والعلانية .
والثانية : الانقياد له في العبودية .
والثالثة : الانقطاع إليه بالكلية .
والرابعة : الإخلاص له بالقول ، والفعل ، والنية .
والخامسة : المراقبة في كل خطرة ولحظة .
حال الحبيب :
وحكي عن عبد الباري - رحمه اللّه تعالى - قال : خرجت مع أخي ذي النون - رحمه اللّه تعالى - فإذا نحن بصبيان يرمون واحدا بالحجارة فقال لهم أخي : ما تريدون منه ؟
قالوا : هذا رجل مجنون ! ومع ذلك يزعم أنه يرى اللّه تعالى ! .
قال : فدنونا منه ؛ فإذا هو شاب وسيم ؛ ظهر عليه سيما العارفين ؛ فسلّمنا عليه ، وقلنا : إنهم يزعمون أنك تدّعي رؤية اللّه تعالى ! فقال : إليك عني يا بطال ! لو فقدته أقل من طرفة عين لمت من ساعتي ، وأنشأ يقول :
طلب الحبيب من الحبيب رضاه * ومنى الحبيب من الحبيب لقاه
أبدا يلاحظه بعيني قلبه * والقلب يعرف ربّه ويراه
يرضى الحبيب من الحبيب بقربه * دون العباد فما يريد سواه
فقلت له : أمجنون أنت ؟ فقال : أمّا عند أهل الأرض فنعم ؛ وأما عند أهل السماء فلا .
قلت : فكيف حالك مع المولى ؟ فقال : منذ عرفته ما جفوته .
فقلت : منذ كم عرفته ؟ قال : منذ جعل اسمي في المجانين « 1 » ! .
* * *
هامش
( 1 ) انظر في شرح الحديث : شرح مسلم للنووي ( 1 / 217 ) ، ( 2 / 2 ، 13 ) ، والديباج للسيوطي ( 1 / 15 ) ، وفيض القدير للمناوي ( 3 / 557 ) ، وتحفة الأحوذي ( 7 / 311 ، 312 ) .