وأنّه
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
[ الأنفال : 24 ] ، فيزيلك عمّا أخبرت به ، ويغيّرك عمّا تخيّلت ثباته وبقاءه ، فتخجل عند من أخبرته بذلك ، بل احفظ ذلك فيك ، ولا تعدّه إلى غيرك ، فإن كان « 1 » الثّبات والبقاء ، فتعلم أنّه موهبة ، وتسأل التّوفيق للشّكر ، واستر رؤيته وإن كان غير ذلك كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقّظ وتأدّب « 2 » .
قال اللّه عزّ وجلّ :
* ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 106 ] .
فلا تعجّز اللّه في قدرته ، ولا تتّهمه في تقديره ولا تدبيره ، ولا تشكّ في وعده « 3 » ، فليكن لك في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أسوة حسنة ، نسخت الآيات والسّور النّازلة عليه ، المعمولة بها ، المقروءة في المحاريب ، المكتوبة في المصاحف ، ورفعت وبدّلت ، وأثبت غيرها مكانها ، ونقل صلّى اللّه عليه وسلم إلى غيرها ، هذا في ظاهر الشّرع .
وأمّا في الباطن والعلم والحال فيما بينه وبين اللّه عزّ وجلّ ، فكان يقول : « إنّه ليغان « 4 »
هامش
( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( فإنه كليّ ) .
( 2 ) في نسخة : ( وتأديب ) .
( 3 ) تحرف في المطبوع إلى : ( عدوّه ) .
( 4 ) قال ابن قيّم الجوزية في مدارج السّالكين ( 3 / 222 - 224 ) : المكاشفة الصحيحة : علوم يحدثها الرب سبحانه وتعالى في قلب العبد ويطلعه بها على أمور تخفى على غيره ، وقد يواليها ، وقد يمسكها عنه بالغفلة عنها ، ويواريها عنه بالغين : الذي يغشى قلبه ، وهو أرق الحجب . أو بالغيم :
وهو أغلظ منه . أو بالران : وهو أشدّها .
فالأول : يقع للأنبياء - عليهم السلام - كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر اللّه أكثر من سبعين مرة » .
والثاني : يكون للمؤمنين .
والثالث : لمن غلبت عليه الشقوة . قال اللّه تعالى :كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ .قال ابن عباس وغيره : هو الذنب بعد الذنب ، يغطي القلب حتى يصير كالران عليه .
والحجب عشرة : حجاب التعطيل ونفي حقائق الأسماء والصفات ، وهو أغلظها ، فلا يتهيأ لصاحب هذا الحجاب أن يعرف اللّه ، ولا يصل إليه البتة ، إلا كما يتهيأ للحجر أن يصعد إلى فوق .
الثاني : حجاب الشرك ، وهو أن يتعبد قلبه لغير اللّه . الثالث : حجاب البدعة القولية ، كحجاب أهل الأهواء والمقالات الفاسدة على اختلافها . الرابع : حجاب البدعة العملية ، كحجاب أهل السّلوك -