هامش
- الأصلين ، والثلاثة في الحقيقة ترجع إلى امتثال الأمر ، وهو طاعة اللّه ورسوله .
فحقيقة الأمر : أن كل عبد فإنه محتاج في كلّ وقت إلى طاعة اللّه ورسوله ، وهو : أن يفعل في ذلك الوقت ما أمر به في ذلك الوقت .
وطاعة اللّه ورسوله : هي عبادة اللّه التي خلق لها الجن والإنس ، كما قال تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] . وقال تعالى :وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[ الحجر :
99 ] . وقال تعالى :يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ البقرة :
21 ] .
والرسل كلّهم أمروا قومهم أن يعبدوا اللّه ، ولا يشركوا به شيئا . وقال تعالى :وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[ النحل : 36 ] . وقال تعالى :وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ[ الزخرف : 45 ] .
وإنما كانت الثلاثة ترجع إلى امتثال الأمر ، لأنه في الوقت الذي يؤمر فيه بفعل [ شيء ] من الفرائض : كالصلوات الخمس ، والحج ، ونحو ذلك ، يحتاج إلى فعل ذلك المأمور ، وفي الوقت الذي تحدث أسباب المعصية يحتاج إلى الامتناع والكراهة والإمساك عن ذلك . وهذا فعل لما أمر به في هذا الوقت ، وأما من لم تخطر له المعصية ببال ، فهذا لم يفعل شيئا يؤجر عليه ، ولكن عدم ذنبه مستلزم لسلامته من عقوبة الذنب ، والعدم المحض المستمر لا يؤمر به ، وإنّما يؤمر بأمر يقدر عليه العبد ، وذاك لا يكون إلا حادثا : سواء كان إحداث إيجاد أمر ، أو إعدام أمر .
وأما « القدر الّذي يرضى به » ، فإنه إذا ابتلي بالمرض أو الفقر أو الخوف ، فهو مأمور بالصبر أمر إيجاب ، ومأمور بالرضا : إما أمر إيجاب ، وإما أمر استحباب . وللعلماء من أصحابنا وغيرهم في ذلك قولان ، ونفس الصبر والرضا بالمصائب هو طاعة للّه ورسوله ، فهو من امتثال الأمر وهو عبادة للّه .
لكنّ هذه الثلاثة وإن دخلت في امتثال الأمر عند الإطلاق فعند التفصيل والاقتران : إما أن تخصّ بالذكر ، وإما أن يقال : يراد بهذا ما لا يراد بهذا ، كما في قوله :فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ[ هود :
123 ] . وقوله :إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا[ طه : 14 ] . فإن هذا داخل [ في نسخة : دخل ] في العبادة إذا أطلق اسم العبادة ، وعند الاقتران : إما أن يقال : ذكره عموما وخصوصا ، وإما أن يقال : ذكره خصوصا يغني عن دخوله في العام . ومثل هذا قوله تعالى :إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ).
وقوله :وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا . رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا .وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا[ المزمل : 8 - 10 ] . وقد يقال : لفظ التبتيل لا يتناول هذه الأمور المعطوفة ، كما يتناولها لفظ العبادة والطاعة .
وبالجملة : فرق ما بين ما يؤمر به الإنسان ابتداء ، وبين ما يؤمر به عند حاجته إلى جلب المنفعة ودفع المضرة ، أو عند حبّ الشيء وبغضه . وكلام الشيخ - قدّس اللّه روحه - يدور على هذا القطب ، وهو أن يفعل المأمور ويترك المحظور ، ويخلو فيما سواهما عن إرادة ، لئلا يكون له مراد غير فعل -