المقالة الرّابعة والخمسون فيمن أراد الوصول إلى اللّه تعالى وبيان كيفيّة الوصول إليه تعالى
من أراد الآخرة فعليه بالزّهد في الدّنيا
ومن أراد اللّه فعليه بالزّهد في الآخرة ، فيترك دنياه لآخرته وآخرته لربّه .
فما دام في قلبه شهوة من شهوات الدّنيا ، ولذّة من لذّاتها ، وطلب راحة من راحتها من سائر الأشياء من مأكول أو مشروب وملبوس ومنكوح ومسكون ومركوب ، وولاية ورياسة وطبقة في علم من فنون العلم من الفقه فوق العبادات الخمس ، ورواية الحديث وقراءة القرآن بروايته ، والنّحو واللّغة والفصاحة والبلاغة ، وزوال الفقر ووجود الغنى وذهاب البليّة ومجيء العافية .
وفي الجملة : انكشاف الضّرّ ، ومجيء النّفع ، فليس بزاهد حقّا لأنّ كلّ واحد من هذه الأشياء فيه : لذّة النّفس ، وموافقة الهوى ، وراحة الطّبع ، وحبّ له ، وكلّ ذلك من الدّنيا وممّا يحبّب البقاء فيها ويحصّل السّكون والطّمأنينة إليها ، فينبغي أن يجاهد في إخراج جميع ذلك عن القلب ، ويأخذ نفسه بإزالة ذلك وقلعه والرّضا بالعدم والإفلاس والفقر الدّائم ، فلا يبقى من ذلك مقدار مصّ نواة ليخلّص زهده في الدّنيا ، فإذا تمّ له ذلك زالت الغموم والأحزان من القلب والكرب من الحشا ، وجاءت الرّاحات والطّيب والأنس باللّه كما قال صلّى اللّه عليه وسلم :
« الزّهد « 1 » في الدّنيا يريح القلب والجسد » « 2 » .
هامش
( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( الزاهد ) .
( 2 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 6 / 288 ) عن أبي بكر بن مالك ، عن عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل قال : حدثني علي بن مسلم ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر ، حدثنا مالك قال : قال عبد اللّه الداري ، يا مالك ، أبى علينا أهل العلم باللّه والقبول عنه : أن يقبلوا من أهل الدنيا التقشف ، وزعموا أن ذلك لا يليق بهم ، ولا يحسن عليهم . قال : وسمعت عبد اللّه الداري يقول : كان أهل العلم باللّه والقبول -