المقالة التّاسعة عشرة في الأمر بوفاء الوعد والنّهي عن خلفه
إذا كنت ضعيف الإيمان واليقين ، ووعدت بوعد وفّ بوعدك ، ولا تخلف كيلا يزول إيمانك ويذهب يقينك . وإذا قوي ذلك في قلبك وتمكّنت خوطبت بقوله :
إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ
[ يوسف : 54 ] .
وتكرّر هذا الخطاب لك حالا بعد حال ، فكنت من الخواصّ ، بل من خواصّ الخواصّ ، ولم يبق لك إرادة ولا مطلب ، ولا عمل تعجب به ، ولا قرابة « 1 » تراها ، ولا منزلة تلمحها ، فتسمو همّتك إليها ، فصرت كالإناء المنثلم الّذي لا يثبت فيه مائع ، فلا يثبت فيك إرادة ولا خلق ولا همّة إلى شيء من الأشياء دنيا وأخرى ، وطهرت ممّا سوى اللّه
هامش
- ولهذا كان منهم من يموت فاسقا أو مسلوبا ، وكلّهم ضلّال جهّال .
وطائفة : تجعل الكمال في مجموع الأمرين ، فيدخلون في أقوال وأعمال من الشرك والسحر ، ليستعينوا بالشياطين على ما يطلبونه من الإخبار بالأمور الغائبة ، وعلى ما ينفذ به تصرّفهم في العالم .
وأمّا الحقّ المبين فهو أنّ كمال الإنسان في أن يعبد اللّه علما وعملا ، كما أمره ربّه . وهؤلاء هم عباد اللّه ، وهم المؤمنون والمسلمون ، وهم أولياء اللّه المتّقون ، وحزب اللّه المفلحون ، وجند اللّه الغالبون ، وهم أهل العلم النافع ، والعمل الصالح ، وهم الذين زكّوا نفوسهم وكمّلوها ، كملوا القوّة النظرية العلمية ، والقوة الإرادية العملية ، كما قال تعالى :وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ[ ص : 45 ] ، وقال تعالى :وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ( 2 ) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى[ النجم : 1 - 4 ] ، وقال تعالى :اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ[ الفاتحة : 6 - 7 ] ، وقال تعالى :قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى[ طه : 123 ] ، وقال تعالى :أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *( 5 ) [ البقرة : 5 ] ، وقال تعالى :إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ[ فاطر : 10 ] ، وقال تعالى :إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ[ العصر : 3 ] .
وصلّى اللّه على محمّد النبي الأمّي وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا
( 1 ) في المطبوع : ( قربة ) .