مقدم على وجود المركب . وهذا الادراك يقيني عند العقلاء لا يشوبه شبهة أصلا ؛ والبهائم حرمت إدراك ذلك مع وضوحه عند العقلاء إذ عدمت حاسة هذا الادراك فكذلك العقلاء المعتكفون في طور العقل الذين لا يمكنهم مجاوزته ، يحرمون إدراك قولنا : نسبة كل الموجودات إلى علم اللّه تعالى كنسبة لا شئ إلى شئ لا يتناهى ؛ فيتحيرون ويتيهون في كيفية علم اللّه بالجزئيات ويظنون أن تغير علمه لازم من تغير هذه الجزئيات .
الفصل الثاني عشر ( علم اللّه بالجزئيات )
ومن عجائب آيات القرآن قوله : « فلنقصّن عليهم بعلم وما كنّا غائبين » ؛ فهو مشعر بأن كل شئ حاضر له وأنه حاضر مع كل شئ ، فلذلك لا يعزب عن علمه شئ . وأما قوله :
« وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً »
فإن استعمال السعة فيه مع ذكر العلم أعجب من كل عجب . وبيانه أن الموجودات مستفادة من علمه ، وعلمه محيط بكل شئ كما قال :
« أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً »
. والحق أن اللّه - جل وعلا - هو الكثير والكل ، وأن كل ما عداه هو الواحد والجزء لا بل فكل ما سواه فليس بجزء ولا واحد أيضا إلا من الوجه الذي يلي كليته وكثرته . وخذ لهذا الكلام الغامض في نفسه مثالا على قدر عماك ؛ واعلم أن الشمس وإن كانت واحدة فالشعاعات الفائضة منها كثيرة ؛ فالحق أن يقال : الشمس هي الكثيرة والشعاعات هي الواحدة . وإذا كان العلم المستفاد من وجود المعلوم سمّى علما وهو علم الخلق ، فكيف لا تسمى الصفة الإلهية التي هي ينبوع الموجودات كلها علما ؟ لا بل الحق أن لا يطلق اسم العلم