والمعنى أنّ مريد العلم لا يحصل سلوّه وسروره إلّا بوجدانه ، ولمّا كان الطلب سبب الوجدان ، عبّر عنه بذلك إرشادا وتنبيها على تحصيل المراد ، وأنّ مريد الحقيقة ، أي مشاهدها منكشفة عن ساقها ، لا يصل إلى مراده إلّا بالفرار من الخلق ؛ كما قال تعالى حكاية عن كليمه عليه السّلام :
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً
[ الشّعراء : الآية 21 ] ، أي نبوّة وخلافة .
قال : ( أهل الإرادة في الطلب يعيشون ، وأهل الهمّة في الوجود يموتون ) .
أقول : الهمّة فوق الإرادة ؛ لأنّها حال المحبوب المراد ، والإرادة وصف المحبّ ، وهي في وضع اللغة نوع من الهمّ بمعنى القصد ، وفي عرف أهل المعرفة قصد العارف إلى إيجاد الشيء باللّه تعالى ، وذلك عند فنائه عن وجوده ، وبقائه بوجود الحقّ ، وكلّما ردوا إلى وجودهم كان موتا لهم ، وأمّا أهل الإرادة يكون عيشهم وحياتهم في طلب المراد .
قال : ( من خالف اللّه في أمره لم يخالفه في مراده ، ومن خالفه في مراده وافقه في مراده به ) .
أقول : الأمر قول طالب الفعل ، وهو غير الإرادة ، خلافا للمعتزلة ، فإنّ اللّه قد يأمر بما لا يريد ؛ لحكمة بالغة فيه ، ولولاه لما كان عصيان من المأمور ؛ لأنّ مراد اللّه كائن ، قال تعالى :
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 82 ) [ يس : الآية 82 ] ، وقال سبحانه :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 40 ) [ النّحل : الآية 40 ] ، شرط الإرادة في التكوين بأمره ، والشرط غير المشروط ، لا سيما إذا قيّد بشرط آخر .
ومن القائلين بالمغايرة من شرط الإرادة للأمر مطلقا ؛ أي لا يكون الأمر إلّا مع الإرادة ، وليس كما زعم ، بل شرطيتها مقيّدة بشرط تكوّنه .
ومعنى القول إنّ مخالف الحقّ في أمره موافق له في مراده به ؛ لأنّ صدور المخالفة منه لو لم يكن مرادا للّه لما وجد ، فهو وإنّ خالفه في أمره وافقه في مراده به ، وفرّق الشيخ - رحمه اللّه - بين المراد من الشيء ، والمراد به ؛ بأنّ المراد منه يمكن خلافه ، دون المراد به ، فالمراد منه على قوله بمعنى المطلوب بالأمر الذي يمكن خلافه .