وقال : ( العوارض كلّها امتحان واختبار ، والخواطر منها للاختبار ، واللّواحظ للامتحان ) .
أقول : قد سبق القول في معنى الخطرة واللّحظة عند الصوفيّة ، من أنّ الخطرة : ما يرى السرّ بها أحوال الآخرة ، واللّحظة : ما يرى القلب بها أحوال الدنيا ، فمعنى القول إنّ ( العوارض ) ، أي الأحوال الدنيوية والأخرويّة كلّها امتحانات إلهيّة ، واختبارات ربّانية ، ومن جملة تلك الأحوال الخواطر ، واللّواحظ .
فمن عرضت له خطرة يرى بها أحوال الآخرة وحسنها ، ولحظة يرى بها أحوال الدنيا وزينتها ، وزاغ بصره عن شهود الحقّ بذلك ، خسر خسرانا مبينا ، ومن لم يلتفت إليها ، ولم يزغ بصره ، فقد فاز فوزا عظيما . والامتحان والاختبار بمعنى ، ولعلّ الاختبار عند الشيخ أخصّ ، حيث خصّه بالخواطر .
بيان الحفظ والرعاية والخشية
قال : ( حفظ السرّ بالعلم غفلة ، وبالحقيقة تكلّف ، وبالحقّ عجز ) .
أقول : السرّ يطلق على القلب تارة ، وعلى معنى فيه أخرى ، كالخاطر يطلق على القلب ، وعلى ما يخطر به ، فإن فسّر بالقلب هنا ، كان إضافة الحفظ إليه إضافة المصدر إلى الفاعل ، وإن فسّر بالمعنى الحاصل فيه ، كان إضافة الحفظ إليه إضافة إلى المفعول ، وهذا المعنى المفعول على الأوّل أيضا .
فلا فرق من حيث المعنى ؛ إذ المراد حفظ القلب المعنى الذي فيه على التفسيرين ، وحفظه إيّاه على ثلاثة أوجه :
1 - إمّا بالعلم ، وهو أن يعلم أنّه سرّ بينه وبين سيّده ، فيجب كتمانه .
2 - أو بالحقيقة ، وهو أن يعلم أنّ الموجب لإظهاره رؤية الغير والحقيقة بحكم نفسه ، فلا يريد الإظهار له ؛ لأنّه نتيجة الجهل بمعنى التوحيد ، كما قال الواسطي - رحمه اللّه - في معنى قوله تعالى :
وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
[ الحاقّة : الآية 12 ] : إنّها أذن تعي الأسرار الإلهيّة في معادنها ، وهي القلوب ؛ إذ ليس فيها غير