« العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني واحدا منها قصمته » « 1 » ، وفي رواية : « قذفته في نار جهنم » .
وقال : ( الالتفات من البعيد إلى القريب كفر ، والالتفات من القريب إلى البعيد شرك ، والالتفات بالقريب إلى البعيد توحيد ) .
أقول : القريب هو اللّه تعالى ؛ لقوله :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
[ البقرة : الآية 186 ] ، والبعيد ما سواه ؛ لأنّ كلّ مخلوق بانفصال وجوده عن آخر بعيد عنه ، وإن وجد قريبا منه ، بخلاف الوجود المطلق ، فإنّه لاتّصاله بكلّ موجود قريب منه ، بل عينه ، فقربه تعالى من الأشياء لا يقاس بقرب بعضها من بعض . فقوله : ( الالتفات من البعيد إلى القريب كفر ) ؛ أي النظر من الخلق إلى الحقّ كفر ؛ لأنّه يفضي إلى قياس القديم ذاتا وصفة على المحدث ، وهو كفر .
وقوله : ( الالتفات بالقريب إلى البعيد توحيد ) ، أي من القريب بالقريب ، لا بالبعيد ، ويفهم من هذا أنّ الحكم على الالتفات من القريب إلى البعيد بكونه شركا ، مقيّد بهذا القيد .
وقال : ( ملاحظة الأحوال بالأعمال ذنوب المقرّبين ، وحسنات الأبرار ) .
أقول : يعني شهود الأحوال التي هي المواهب الإلهيّة ، من الحبّ ، والشوق ، والمشاهدة ، وغيرها ، بسبب الأعمال التي هي مكاسب العبد ، ذنوب المقرّبين ، وذلك لأنّ أهل القرب الذين اكتحلت بصائرهم بنور التوحيد ، من وظائفهم اللازمة ، وآدابهم الدائمة ، أن يلحظوا المواهب الإلهيّة ، والعطايا الربّانية ، غير معلّلة بكسبهم وعملهم ، فلو رأوها مسبّبة عنه كان ذنب حالهم .
وأمّا هذه الرؤية بالنسبة إلى الأبرار ، الذين هم أصحاب اليمين ، وأهل البرّ ، فحسنة ؛ لأنّها تبعثهم على الذوب في العمل .
هامش
( 1 ) رواه بنحوه ابن أبي شيبة في مصنّفه ، ما ذكر في الكبر ، حديث رقم ( 26578 ) [ 5 / 329 ] ؛ والقضاعي في مسند الشهاب ، حديث رقم ( 1464 ) [ 2 / 231 ] ورواه غيرهما .