قال : ( العلم حكم ، والحقيقة حاكم ) .
أقول : الحقيقة هنا بمعنى الوجود الثابت الباقي ، وهو الحاكم على العبد بما يشاء ، والعلم حكمه بالأوامر والنواهي عليه .
قال : ( استعمال العلم بالجهل غرور ، وبالعلم حقيقة ، وبالمعرفة وجود ) .
أقول : استعمال العلم العمل بمقتضاه ، وذلك إن كان بالجهل عن فائدة إخلاصه للّه فهو غرور ، ظنّه العبد عملا صحيحا وهو فاسد ؛ لفقدان شرط الصحّة ، وهو الإخلاص ؛ لأنّ اللّه شرطه في العبادة المأمور بها ، حيث قال سبحانه :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ البيّنة : الآية 5 ] .
فالعبد مأمور بالإخلاص في عمله ، كما أنّه مأمور بالعمل ؛ لأنّ كلّ ما يتوقف عليه فرض ، فهو فرض .
وإن كان بالعلم المؤدّي إلى الإخلاص ، فهو حقيقة ؛ لأنّه صحيح كما يراه .
وإن كان بالمعرفة ؛ أي برؤية الفعل من اللّه سبحانه ، لا من نفسه ، فهو وجود ؛ أي وجدان الحقّ بفقدان النفس .
واستعير كونه اسما لبقاء الكائن ؛ لأنّه دليل وجدان الاستعداد الغيبي القابل له ، والأمور الغيبيّة المتعلقة بالعلم الأزلي والمشيئة القديمة ، فهو في معنى الوجدان حقيقة ، وفي معنى بقاء الوجود مجازا .
والفرق بين الوجد والوجدان والوجود عند الصوفيّة ، أنّ الوجد مصادفة نور التجلّي سريع الاستتار ، والوجدان مصادفته دائم الاستتار .
قال : ( من استعمل العلم بالعلم خلص عمله ، ومن استعمل العلم بالمعرفة حبط عمله ) .
أقول : صرّح هنا بأنّ استعمال العلم بالعلم إخلاص العمل للّه سبحانه ، كما مرّ ، فإنّ خلوص العمل نتيجة إخلاص النيّة فيه ، والعلم كما يدلّ على العمل يدلّ على الإخلاص فيه ، فمن لم يخلص ما استعمل العلم بالعلم ، بل بالجهل .