والتخريب هنا ، رفع مباني العلم بالوجد ؛ لأن كلّ ما هو منسوب إلى شخص من عمل صالح أو خلق سني بنظر العلم ، مرفوع عنه بنظر الوجد ؛ إذ الواجد لا يرى الأشياء إلّا من اللّه سبحانه .
والتلهيب كالتحريق ، وقد سبق القول فيه ؛ أي الحقيقة تفني الغير ذاتا كان ، أو صفة ، أو فعلا ، ومعنى هذا القول قريب من السابق بعبارة أخرى .
قال : ( للعلم حرقة ، وللوجد حرقة ، وللحقيقة حرقة ، فمن أحرقه العلم وفي ، ومن أحرقه الوجد صفا ، ومن أحرقته الحقيقة طفا ) .
أقول : عمّم ههنا حكم الإحراق للثلاثة ، بعد ما خصّه بالحقيقة ؛ لأنّه يوجد من الكلّ أثر يناسب أثر النار من الإحراق والإفناء ، فالعلم يحرق من النفس عرق المنازعة والطغيان ، بما يمرّنها عليه من الطاعة فيما تؤمر به ، وتنهى عنه .
والوجد يحرق من العبد عرق تداعي الدواعي ، فيتركه مسلوب الاختيار ، متروك الإرادة ، غير مدّع لنفسه شيئا من المقامات والأحوال .
والحقيقة تحرق منه حكمته ، فلا يبقى له شيء من ظلمة الحدوث ؛ لما يبدو عليه من نور القدم ، ( فمن أحرقه العلم وفي ) بعهد الربوبيّة للّه سبحانه ، والعبوديّة لنفسه ؛ حيث أخذ عليه الميثاق فيمن قال لهم :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : الآية 172 ] .
( فمن أحرقه الوجد صفا ) عن كدورات الاختيار والإرادة ، ( ومن أحرقته الحقيقة طفا ) ؛ أي فاق كلّ شيء ؛ لبقائه بالحقّ بعد فنائه عن الغير .
قال : ( العلم نار اللّه ، والوجد نور اللّه ، فمن خالف العلم أحرقته النار ، ومن خالف الوجد غيّره النور ) .
أقول : أشار بقوله : ( العلم نار اللّه ) ، إلى أنّ العلم بلا وجد لا يخلو عن صفة الشيطنة ، فإنّ الشيطان خلق من النار ، وعلمه من نور النار ، وبقوله : ( الوجد نور اللّه ) ، إلى أنّ الوجد نور محض ، لا مدخل للشيطنة فيه ؛ كالنور الذي خلق منه الملك ، وإنّما لا يخامر صفة الشيطنة نور الوجد ؛