81 - باب : في بيان تلبيس الحق بالباطل
قال رسول اللّه فيما رواه معقل بن يسار : « يأتي على الناس زمان ، يخلق « 1 » فيه القرآن في قلوب الرجال كما تخلق الثياب على الأبدان ، أمرهم كله يكون طمعا لا خوف معه . إن أحسن أحدهم قال : يتقبّل مني . وإن أساء قال : يغفر لي » . فأخبر أنهم يضعون الطمع موضع الخوف ، لجهلهم بتخويفات القرآن وما فيه .
وبمثله أخبر عن النصارى ، إذ قال تعالى :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا
« 2 » ، ومعناه : أنهم ورثوا الكتاب : أي هم علماء
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى
أي شهواتهم من الدنيا ، حراما كان أو حلالا ، وقد قال تعالى :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
« 3 » وقال :
ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
« 4 » .
والقرآن من أوله تحذير وتخويف ، لا يتفكّر فيه متفكر إلا ويطول حزنه ، ويعظم خوفه إن كان مؤمنا بما فيه ، وترى الناس يهذّونه هذا ، يخرجون الحروف من مخارجها ، ويتناظرون على خفضها ورفعها ونصبها . وكأنهم يقرؤون شعرا من أشعار العرب ، لا يهمهم الالتفات إلى معانيه ، والعمل بما فيه ، وهل في العالم غرور يزيد على هذا ؟
ويقرب منه غرور طوائف لهم طاعات ومعاص ، إلا أن معاصيهم أكثر ، وهم يتوقّعون المغفرة ويظنون أنهم تترجّح كفّة حسناتهم ، مع أن ما في كفة السيئات أكثر ، وهذا غاية الجهل ، فترى الواحد يتصدّق بدراهم معدودة من الحلال والحرام ، ويكون ما يتناول من أموال المسلمين والشبهات أضعافه ، ولعل ما تصدق به هو من أموال
هامش
( 1 ) يخلق فيه القرآن : ينسى ويهمل .
( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 169 .
( 3 ) سورة الرحمن ، الآية : 46 .
( 4 ) سورة إبراهيم ، الآية : 14 .