وخرجت معه حتى دخل حائطا « 1 » ، فسمعته يقول - وبيني وبينه جدار وهو الحائط - :
عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ ، واللّه لتتقينّ اللّه ، أو ليعذبنّك .
وقال الحسن في قوله تعالى :
وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
« 2 » . قال : لا يلفى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي ؟ ماذا أردت بأكلتي ؟ ماذا أردت بشربتي ؟
والفاجر يمضي قدما ، لا يعاتب نفسه .
وقال مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى : رحم اللّه عبدا قال لنفسه : ألست صاحبة كذا ؟ ألست صاحبة كذا ؟ ثم ذمّها . ثم خطمها . ثم ألزمها كتاب اللّه تعالى . فكان لها قائدا . وهذا من معاتبة النفس .
وقال ميمون بن مهران : التّقي أشدّ محاسبة لنفسه من سلطان غاشم ، ومن شريك شحيح .
وقال إبراهيم التيمي : مثّلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها ، وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها . ثم مثّلت نفسي في النار آكل من زقومها ، وأشرب من صديدها ، وأعالج سلاسلها وأغلالها ، فقلت لنفسي : يا نفس أي شيء تريدين ؟ فقالت : أريد أن أردّ إلى الدنيا فأعمل صالحا . قلت : فأنت في الأمنية ، فاعملي .
قال مالك بن دينار : سمعت الحجّاج يخطب ، وهو يقول : رحم اللّه إمرءا حاسب نفسه قبل أن يصير الحساب إلى غيره ، رحم اللّه أمرءا أخذ بعنان عمله ، فنظر ماذا يريد به رحم اللّه أمرءا نظر في مكياله ، رحم اللّه امرءا نظر في ميزانه . فما زال يقول حتى أبكاني .
وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال : كنت أصحبه فكان عامّة صلاته بالليل الدعاء ، وكان يجيء إلى المصباح ، فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ، ثم يقول لنفسه :
يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟
هامش
( 1 ) حائط : بستان .
( 2 ) سورة القيامة ، الآية : 2 .