قال مالك بن أنس رضي اللّه عنه : قال زيد بن أسلم في قوله تعالى :
سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ
« 1 » قال : صبروا مائة سنة ، ثم جزعوا مائة سنة ، ثم صبروا مائة سنة ، ثم قالوا :
سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا
.
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « يؤتى بالموت يوم القيامة كأنّه كبش أملح ، فيذبح بين الجنة والنار ويقال : يا أهل الجنّة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت » .
وعن الحسن قال : يخرج من النار رجل بعد ألف عام ، وليتني كنت ذلك الرجل .
ورئي الحسن رضي اللّه عنه جالسا في زاوية وهو يبكي ، فقيل له : لم تبكي ؟ فقال :
أخشى أن يطرحني في النار ولا يبالي .
فهذه أصناف عذاب جهنّم على الجملة ، وتفصيل غمومها وأحزانها ومحنها وحسراتها لا نهاية له ، فأعظم الأمور عليهم مع ما يلاقونه من شدّة العذاب حسرة فوت نعيم الجنة ، وفوت لقاء اللّه تعالى ، وفوت رضاه ، مع علمهم بأنهم باعوا كلّ ذلك بثمن بخس ، دراهم معدودة ، إذ لم يبيعوا ذلك إلّا بشهوات حقيرة في الدنيا أيّاما قصيرة ، وكانت غير صافية ، بل كانت مكدّرة منغّصة ، فيقولون في أنفسهم : وا حسرتاه ! كيف أهلكنا أنفسنا بعصيان ربّنا ؟ وكيف لم نكلّف أنفسنا الصبر أياما قلائل ؟ ولو صبرنا لكانت قد انقضت عنّا أيامه ، وبقينا الآن في جوار ربّ العالمين ، متنعّمين بالرضا والرضوان .
فيا لحسرة هؤلاء وقد فاتهم ما فاتهم ، وبلوا بما بلوا به ، ولم يبق معهم شيء من نعيم الدنيا ولذّاتها ، ثمّ إنهم لو لم يشاهدوا نعيم الجنة لم تعظم حسرتهم ، لكنّها تعرض عليهم .
فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يؤتى يوم القيامة بناس من النار إلى الجنة ، حتى إذا دنوا « 2 » منها ، واستنشقوا رائحتها ، ونظروا إلى قصورها ، وإلى ما أعدّ اللّه لأهلها فيها نودوا : أن اصرفوهم عنها ، لا نصيب لهم فيها ، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون
هامش
( 1 ) سورة إبراهيم ، الآية : 21 .
( 2 ) دنوا : اقتربوا .