39 - باب : في الأعمال والميزان وعذاب النار
يا أخي لا تغفل عن الفكر « 1 » في الميزان ، وتطاير الكتب إلى الأيمان والشمائل ، فإنّ الناس بعد السؤال ثلاث فرق :
فرقة ليس لهم حسنة ، فيخرج من النار عنق أسود فيلقطهم لقط الطير الحبّ ، وينطوي عليهم ، ويلقيهم في النار ، فتبتلعهم النار ، وينادي عليهم : شقاوة لا سعادة بعدها .
وقسم آخر لا سيئة لهم ، فينادي مناد : ليقم الحمّادون للّه على كلّ حال ، فيقومون ويسرحون إلى الجنّة ، ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل ، ثم بمن لم تشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر اللّه تعالى ، وينادى عليهم : سعادة لا شقاوة بعدها .
ويبقى قسم ثالث وهم الأكثرون ، خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، وقد يخفى عليهم ، ولا يخفى على اللّه تعالى ، أنّ الغالب حسناتهم أو سيئاتهم ، ولكن يأبى اللّه أن يعرّفهم ذلك ليبيّن فضله عند العفو ، وعدله عند العقاب ، فتتطاير الصّحف ، والكتب منطوية على الحسنات والسيّئات ، وينصب « 2 » الميزان ، وتشخص « 3 » الأبصار إلى الكتب ، أتقع في اليمين ؟ أو في الشمال ؟ ثم إلى لسان الميزان ، أيميل إلى جانب السيّئات ، أو إلى جانب الحسنات ، وهذه حالة هائلة ، تطيش فيها عقول الخلائق .
وروى الحسن أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان رأسه في حجر عائشة رضي اللّه عنها فنعس ، فذكرت الآخرة ، فبكت حتى سال دمعها ، فنقط على خدّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فانتبه فقال : « ما يبكيك يا عائشة ؟ » قالت : ذكرت الآخرة ، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة ؟ قال : « والذي نفسي بيده في ثلاث مواطن ، فإنّ أحدا لا يذكر إلّا نفسه :
هامش
( 1 ) الفكر : التفكر .
( 2 ) ينصب : يوضع .
( 3 ) تشخص : ترتفع .