بالأقدام مثل الذرّ « 1 » .
وعند ذلك تقبل الوحوش من البراري والجبال منكّسة رؤوسها ، مختلطة بالخلائق بعد توحّشها ، ذليلة ليوم النشور ، من غير خطيئة تدنّست بها ، ولكن حشرتهم شدّة الصعقة ، وهول النفخة ، وشغلهم ذلك عن الهرب من الخلق ، والتوحّش منهم ، وذلك قوله تعالى :
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
« 2 » ثم أقبلت الشياطين والمردة بعد تمرّدها وعتوّها ، وأذعنت خاشعة من هيبة العرض على اللّه تعالى ، تصديقا لقوله :
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
« 3 » .
فتفكّر في حالك ، وحال قلبك هنالك . ثم انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة غرلا « 4 » إلى أرض المحشر ، أرض بيضاء ، قاع صفصف « 5 » ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا « 6 » ، ولا ترى عليها ربوة يختفي الإنسان وراءها ، ولا وهدة ينخفض عن الأعين فيها ، بل هو صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيه ، يساقون إليه زمرا .
فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض ، إذ ساقهم بالراجفة تتبعها الرادفة ، والرّاجفة هي النّفخة الأولى ، والرّادفة هي الثانية .
وحقيق لتلك القلوب أن تكون يومئذ واجفة ، ولتلك الأبصار أن تكون خاشعة .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقيّ ، ليس فيها معلم لأحد » .
قال الراوي : والعفرة : بياض ليس بالناصع ، والنقي : هو النقي عن القشر والنخالة ، ومعلم : أي لا بناء يستر ، ولا تفاوت يردّ البصر . ولا تظننّ أنّ تلك الأرض مثل الدنيا ، بل لا تساويها إلا في الاسم .
هامش
( 1 ) الذرّ : النمل . أو كالذرة لشدة صغرها وهوانها .
( 2 ) سورة التكوير ، الآية : 5 .
( 3 ) سورة مريم ، الآية : 68 .
( 4 ) غرلا : الغرل هو : سفير مختون ( غير مقطوع القلفة ) .
( 5 ) قاع صفصف : القاع الأرض الواسعة السهلة ، والصفف : الأرض المستوية .
( 6 ) أمتا : الأمت : الانخفاض والارتفاع .