عزّ وجلّ لمشوا على الماء والريح .
فسبحان من جعل الإقرار بالعجز عن إدراك معرفته إيمانا ، كما جعل إقرار المنعم عليه بالعجز عن إدراك شكره شكرا . قال محمود الورّاق :
إذا كان شكري نعمة اللّه نعمة * عليّ له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله * وإن طالت الأيام واتّصل العمر
إذا مسّ بالسّراء عمّ سرورها * وإن مسّ بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلّا له فيه نعمة * تضيق لها الأوهام والبرّ والبحر
وإذا ثبت العلم بالربوبية تعيّن الإقرار بالعبودية ، وإذا تقرّر الإيمان في القلب وجبت الطاعة للربّ .
والإيمان نوعان : ظاهر وباطن . فالظاهر النطق باللسان ، والباطن الاعتقاد بالقلب .
والمؤمنون متباينون في منازل القرب ، متفاوتون في درجات الطاعة . والإيمان جامع لهم بقدر حظّ كلّ واحد منهم من الموهبة ، وتمكّنه من علوّ المرتبة في الإخلاص للّه ، والتوكّل عليه ، والرضا بحكمه .
فأمّا الإخلاص : فألا يطلب العبد بما يعمل جزاء من الخالق
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
« 1 » فإن كانت الطاعة رجاء للمثوبة ، وخوفا من العقوبة فذلك العبد لا يكون كامل الإخلاص ، فإنه لنفسه سعى .
روي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يكن أحدكم كالكلب السوء ، إن خاف عمل ، ولا كالأجير السوء ، إن لم يعط أجرا لم يعمل » .
وقال تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
« 2 » .
وإنّما تعيّنت علينا عبادته ، ووجبت طاعته بما سبق له من الفضل علينا ، وتقدّم له
هامش
( 1 ) سورة الصافات ، الآية : 96 .
( 2 ) سورة الحج ، الآية : 11 .