ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال ، حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق والأحوال . وادعوا أنهم تحرروا عن رق الأغلال « 1 » وتحققوا بحقائق الوصال « 2 » وأنهم قائمون بالحق ، تجرى عليهم أحكامه . وهم محو « 3 » ، وليس للّه عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم ، وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية ، واختطفوا عنهم بالكلية « 4 » . وزالت عنهم أحكام البشرية . وبقوا بعد فنائهم عنهم « 5 » بأنوار الصمدية ، والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا ، والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا ، بل صرفوا .
ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوحت ببعضه من هذه القصة وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار ، غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء ، أو يجد مخالف لثلبهم مساغا « 6 » ؛ إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة .
ولما كنت أؤمل من مادة هذه الفترة أن تنحسم « 7 » ، ولعل اللّه سبحانه يجود بلطفه في التنبيه لمن حاد عن السنة المثلى في تضييع آداب هذه الطريقة .
ولما أبى الوقت إلا استصعابا . وأكثر أهل العصر بهذه الديار إلا تماديا فيما اعتادوه واغترارا بما ارتادوه « 8 » . .
أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر « 9 » - على هذه الجملة « 10 » - بنى قواعده . وعلى هذا النحو سار سلفه .
هامش
( 1 ) زعموا أنهم وصلوا إلى الحقائق العليا ، وتخلصوا من محبة ما سوى اللّه ، ونفضوا أغلال الرق والعبودية لغير المولى سبحانه والوصول عند الصوفية هو فناء العبد عن أو صافه وعاداته في أوصاف الحق سبحانه وتعالى .
( 2 ) أي زعموا أنهم اتصفوا بالقرب المعنوي من اللّه .
( 3 ) وهذا من تتمة زعمهم : أي أنهم لم يبق فيهم بقية يتعلق بها التكليف لتمام فنائهم حتى صاروا إلى حالة ينتفى فيها العتب ، وينعدم اللوم على كل ما يصدر عنهم .
( 4 ) أي جذبت قلوبهم وأرواحهم الحق جذبا سريعا حتى لم يبق فيهم سعة لغيره تعالى .
( 5 ) أي عن أنفسهم .
( 6 ) أي النقصهم مدخلا .
( 7 ) آمل أن تنقطع الأسباب المفضية إلى التهاون والتكاسل عما به صلاح النفس .
( 8 ) ارتادوه : اختاروه وتلبسوا به .
( 9 ) وهو الوصول إلى أعلى الحقائق والأحوال .
( 10 ) مزاعهم وادعاءاتهم .