الباب الثالث في التصوف
قال اللّه تعالى :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
« 1 » وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما معناه من سمع صوت داع ولم يؤمن على دعائه كتب عند اللّه من الغافلين « 2 » .
وكثيرا ما كان المعنى الحقيقي لكلمة « متصوف » موضع نقاش ، وقد كتبت في ذلك كتب كثيرة . ويؤكد البعض أن الصوفي لقب بهذا الاسم ، لأنه يرتدى رداء من الصوف ، ويقول البعض الآخر : إنه لقب بالصوفي لأنه في الصف الأول ، ويقول آخرون : إن السبب هو أنهم ينتمون إلى « أهل الصفة » رضى اللّه عنهم ، وهناك من يقول كذلك إن الاسم مشتق من الصفاء .
ولكن هذه التفسيرات لكلمة صوفي لا توفى متطلبات الاشتقاقات اللغوية ، وإن كان لكل رأى ما يؤيده من الحج للدقيقة .
إن الصفاء صفة محمودة ، وعكسه الكدر ، وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « لقد ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها » ولطائف الأشياء صفوها ، وكثائف الأشياء كدرها .
وبما أن الصوفية قد ظهروا بأخلاقهم وتصرفاتهم ، حاولوا أن يتجنبوا كل ما يلطخها ، فإنهم لذلك يلقبون بالصوفية . وهذه التسمية اسم علم ، وبما أن كرامة أهل التصوف من الوضوح بحيث لا تخفى معاملاتهم ، لهذا فإن اسمهم في غير حاجة إلى شرح ، وفي هذا الوقت حجب اللّه تعالى معظم الناس عن الصوفية وعن أتباعها . وأخفى أسرارها عن قلوبهم ، ولذلك فإن
هامش
( 1 ) سورة الفرقان : آية 63 .
( 2 ) ذكر أبو بكر الهيثمي في مجمع الزوائد .