وعندما يصاب هو بالمرض يكون في حاجة إلى طبيب آخر يصف له العلاج .
أما الشخص الثاني فلا يعرف عنه أنه طبيب ، ولا يشغل نفسه بغيره ، ولكن يشغل نفسه بالأغذية والأشربة الزلال ، والمفرحات المتقنة ، وألوان الهواء المعتدل حتى لا يمرض ، وقد غض الخلق كلهم عنه أطرافهم .
ويقول أحد الصوفية المحدثين : « الفقر عدم بلا وجود » وليس من الممكن تفسير هذا القول ، إذ أن مالا وجود له لا يمكن وصفه ، ويدل ظاهر هذا القول على أن الفقر عدم ، ولكن هذا غير صحيح ، إذا أن تفسيرات رجال اللّه وإجماعهم لا تقوم على مبدأ لا وجود له ، وليس المعنى هنا هو فناء الحقيقة ، بل فناء كل ما يلوث الحقيقة ، وكل الصفات البشرية مصدر لهذا التلوث .
وعندما تتخلص من ذلك تكون النتيجة فناء الصفات ، التي تمنع المرء من وسيلة تحقيق بغيته . ولكن عدم وصوله للحقيقة قد يجعله يظن في فناء الحقيقة ، ويلقى به في الضلال .
وقد قابلت بعض المتكلمين الذين ضحكوا ساخرين من هذه الحكمة قائلين أنها محض هراء ، لأنهم لم يتمكنوا من فهم مضمونها . كما قابلت بعض المدعين للتصوف ، الذين حاولوا تفسيرها بصورة خاطئة متظاهرين باقتناعهم بصحتها على الرغم من أنهم لم يلموا بالأساس الذي تقوم عليه .
إن كلا الجانبيين خاطئ ، ذلك أن أحدها ينكر الحقيقة عن جهل ، والآخر يجعل الجهل حالا ، أن كلمتي « عدم » و « فناء » كما يستخدمها الصوفية تعنيان اختفاء الوسيلة المذمومة ، والصفة غير الحميدة ، عند محاولة البحث عن صفة جيدة ، وهما لا يعنيان البحث عن شيء غير قائم بوسيلة قائمة .
ان الفقر إلى اللّه هو بكل معانية فقر مجازى ، وهناك مظهر أساسي بين كافة مظاهره الثانوية ، إن الأسرار الإلهية تأتى وتذهب للفقير ، بحيث يظهر أنه هو الذي يكسب ويعمل ويفكر ، ولكن عندما تتحرر شؤونه من قيود الكسب
كشف المحجوب — صفحة 49
مساهمون: علي الهجويري
ص٤٩