فنيت غفلته بذكر اللّه تعالى ، أعنى أن الإنسان إذا نال معرفته سبحانه ، وصار باقيا في معرفته فهو فان عن كل عقبات الجهل به ، وإذا فنى عن غفلته صار باقيا في ذكره ، وهذا هو إسقاط الصفات المذمومة ، واستبدالها بالصفات المحمودة ، ولخاصة الصوفية ذوق أرقى في هذا الموضوع ، فأنهم لا ينسبون هذه التعابير إلى العلم والحال ، لكنهم يطبقونها على مرتبة الكمال ، التي ينالها الأولياء ، الذين تخلصوا من ألم مجاهدتهم وفروا من سجن مقاماتهم ، وأطوار أحوالهم ، وانتهى بهم البحث إلى الكشف حتى رأوا الأشياء على حقائقها ، وسمعوا كل ما يمكن سماعه ، ووجدوا كل أسرار القلب ، حتى إذا علموا نقص مكاشفاتهم فروا من جميع الأشياء ، وفنوا في المراد وفي حقيقة إرادتهم فقدوا كل رغباتهم ، ووصل الطريق إلى نهايته ، وسقطت الدعوى ، وانقطعت عن المعنى ، وصارت الكرامات حجبا ، وتحولت المقامات إلى غاشية ، ارتدت الأحوال ، وصارت رداء الفساد ، وبقيت في عين المراد بلا مراد للمراد ، وسقط المشرب عن الكل وصار الأنس بالمستأنسات هدرا لقوله تعالى :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
« 1 » وأقول أنا في هذا المعنى :
فناء فنائي بعقد هوائى * فصار هوائى في الأمور هواكا
فإذا فنى العبد عن أوصاف إدراك البقاء بتمامه ، أي أن العبد إذا فنى في حالة وجود الأوصاف عن آفة الأوصاف صار باقيا في فناء المراد ببقاء المراد ، فلا يكون له قرب أو بعد ، أو وحشة أو أنس ، أو صحو أو سكر ، أو فراق أو وصول ، فلا طمس ولا اصطلام ، ولا أسماء أو أعلام ، ولا سمات أو أرقام ويقول أحد الشيوخ في هذا المعنى :
وطاح مقامي والرسوم كلاهما فلست * أرى في الوقت قربا ولا بعدا
فذبت به عنى فبان لي الهدى فهذا * ظهور الحق عند الفنا قصدا
هامش
( 1 ) سورة الأنفال : آية 42 .